حضرموت.. صمتُ الكبارِ الذي يأبى النسيان
تاربة ــ اليوم/ كتابات واراء
صــلاح مبارك
8أكتوبر 2026
تتوالى الأيام على حضرموت وهي تودّع نخبة من أنبل أبنائها وخيرة رجالها، في سياق معركة وطنية ترفض الخنوع، وتسطّر صفحات متجددة من التضحية والبطولة.. وربما لا يمر يوم إلا ونسمع برحيل فاجع وأحدثها استشهاد العميد عماد سعود الحدادي في جبهة الجوف ، و سعيد عمر المطملي اليميني في جبهة باب المندب، في شريطٌ جديد لملحمة ممتدة من الفداء ، تسجّل فيها حضرموت بصمتِ الكبار حضورها الفاعل، وتقدّم خيرة كوادرها وأبنائها في ميادين الشرف والمواجهة.
لم تكن حضرموت يومًا بعيدة عن معركة دحر المشروع الانقلابي وحماية هويتها ومحيطها العربي.. فمنذ اللحظات الأولى لنشوب هذه الحرب ، انخرط أبناؤها في مختلف جبهات القتال؛ فامتزجت دماؤهم بالتراب في الساحل الغربي، وعدن، وبيحان، والجوف، والعبر، ومأرب، وصولًا إلى الحد الجنوبي.. وخاض أبناء حضرموت هذه المعارك جنبًا إلى جنب مع إخوانهم من أبناء الصبيحة، وعدن، وأبين، والضالع، والحديدة، وشبوة، ومأرب، وتعز، وغيرها من المناطق في تحالف معمد بالدم والهدف المشترك لإيجاد وطن جامع و عادل.
إن هذه الدماء الزكية التي أُريقت في ميادين البطولة تفرض على الجميع اليوم التزامًا أخلاقيًا ووطنيًا وقانونيًا لا يقبل التهاون أو التسويف؛ فالوفاء للشهداء ليس عبارات رثاء تُقال في لحظات الفقد، بل هو موقف عملي يبدأ من الإيلاء الكامل للرعاية والاهتمام بأسرهِم وذويهم، وتوفير العيش الكريم لأطفالهم، وتأمين مستقبلهم تعليميًا وصحيًا ، باعتبار ذلك واجبًا أصيلًا وحقًا مكفولًا لا منّة فيه ولا تفضل.
وفي الوقت ذاته، تبرز مسؤوليةٌ تاريخية وحاجةٌ ملحة تقع على عاتق الجهات المعنية والمؤسسات الرسمية في حضرموت، تتمثل في إطلاق مشروعٍ لتوثيق أسماء وسير الشهداء ؛ بدءًا من مراحل النضال الأولى واستشهاد نخبةٍ من الضباط والكوادر الأمنية والعسكرية، وصولًا إلى معارك الدفاع عن الوطن وتحرير المحافظات حتى اليوم.
إن أرشفة ذلك وتوثيق تلك السجلات بأسلوب دقيق وأمين ليس فقط حفظًا للذاكرة الوطنية، بل هو حماية التاريخ من أي محاولات للزييف أو التهميش، ولئلا تدور الأيام ويأتي من يحاول اختزال أو أدعاء زائف بتلك الأدوار على حساب دماء شريفة أُريقت في سبيل رفض الباطل، ومن أجل الحرية والكرامة.
ستظل حضرموت، كما كانت دومًا، حاضنة للقيم ومصنعًا للرجال، وستبقى تضحيات أبنائها حجر الزاوية في بنيان الوطن، وشاهدًا حيًا على أن الدماء التي سُفكت لا تسقط بالتقادم، ولا تُنسى بتقلبات السياسة.






