حضرموت تختنق في الصحراء.. حين يصبح غاز المواطن رهينة للقطاع القبلي
تاربة_اليوم / تقرير / محمد إبراهيم / 7 اكتوبر 2026
ما يحدث لمقطورات النفط والغاز في مأرب ومحيط صافر لم يعد مجرد قطاع قبلي عابر، بل تحول إلى عقاب جماعي كارثي يمارس كل يوم ضد المواطن في حضرموت وبقية المحافظات، في وقت نخوض فيه حرباً طاحنة لا تحتمل المزيد من الأزمات.
لقد تحولت هذه التقطعات إلى سلاح ابتزاز رخيص، كلما اشتد خلاف قبلي مع الدولة أو تعقد ملف مطلبي، كان أول قرار يتخذه المسلحون هو احتجاز قوت الناس، فيوقفون شاحنات الغاز المنزلي وديزل الكهرباء المتجهة إلى حضرموت، لتظل بعدها البيوت بلا طبخ والمستشفيات بلا كهرباء والأفران بلا عمل، وكأن المواطن الحضرمي هو المسؤول عن صرف المرتبات أو حل قضايا مأرب.
إن أضرار هذا القطاع القبلي لا تقف عند أزمة غاز عابرة، بل هي تدمير مباشر لحياة الناس في زمن الحرب، فانقطاع الغاز يعني ارتفاع سعره إلى أضعاف في السوق السوداء، وانقطاع الديزل يعني انقطاع الكهرباء عن المدن الساحلية الحارة التي لا تطاق بلا تكييف، وهذا يعمق السخط الشعبي ويخلق فوضى اقتصادية وإنسانية تستفيد منها المليشيا الحوثية وحدها، فالمواطن الذي يختنق بلا خدمات لن يفكر في جبهة ولا في حرب بل في كيف يوفر دبة غاز لأطفاله.

والمؤلم أن هذه الأزمة تتكرر بشكل ممنهج على مخصص حضرموت وبقية المحافظات، والسبب هو هذا الارتهان القاتل للخط البري الطويل القادم من مأرب، فحضرموت التي حباها الله بساحل يمتد مئات الكيلومترات وتمتلك مشروع بروم للخزن والاستيراد البحري، لا تزال حتى اليوم مربوطة بحبل واحد من الصحراء، حبل يكفي أن يقطعه شخص واحد بسلاحه حتى تموت محافظة كاملة اختناقاً، وهذا فشل استراتيجي وإداري لا يغتفر.
أما السبب الآخر لتكرار هذه المأساة فهو غياب الحل الجذري والردع الحقيقي، فما يحدث في كل مرة هو نفس السيناريو، قطاع قبلي ثم وساطات قبلية ثم وعود ثم فتح الطريق، دون أي تأمين حقيقي للطريق ودون أي محاسبة لمن يحتجز مقطورات الدولة ويقطع قوت الناس، وهذا التساهل هو من جعل البعض يعتقد أن احتجاز غاز حضرموت هو أقصر طريق للضغط على الحكومة والحصول على ما يريد.

اليوم نحن بحاجة إلى قرار سيادي شجاع وليس إلى وساطة جديدة، قرار يحرر حضرموت من هذا الارتهان عبر تفعيل خيار الاستيراد البحري وإنشاء خزن استراتيجي حقيقي في بروم يكفي المحافظة لأشهر، وقرار آخر يفرض هيبة الدولة على طريق مأرب حضرموت ويعتبر المساس بمخصصات الناس من الغاز والنفط جريمة حرب وخيانة وطنية لا تسقط بالتقادم، فغاز الناس ليس ورقة تفاوض ولا غنيمة قبلية، بل هو حق مقدس وحياة مواطن لا يجوز أن يبقى رهينة في الصحراء.







