اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

نقرأ.. ولكن كيف؟ ( 1 ) ..عن صحبة الكتاب وصناعة الوعي

نقرأ.. ولكن كيف؟ ( 1 ) ..عن صحبة الكتاب وصناعة الوعي

بقلم الدكتور / أحمد باصهي

أكاديمي وباحث في علم الإجتماع الإداري

ثمة أسئلة كثيرة تُثار كلما تحدثنا عن القراءة: ماذا نقرأ؟ وكيف نقرأ؟ ومتى نقرأ؟ وكم نقرأ؟ ولكنّ سؤالًا يسبق هذه الأسئلة جميعًا، ويمنحها معناها : لماذا نقرأ أصلًا؟

بدقة وجمال وضع الأستاذ عباس محمود العقاد يده على جوهر المسألة حين قال:

««لستُ أهوى القراءة لأكتب، ولا أهوى القراءة لأزداد عمراً في تقدير الحساب، وإنما أهوى القراءة لأن عندي حياةً واحدة، وحياةً واحدة لا تكفيني. والقراءة دون غيرها هي التي تُعطيني أكثر من حياة، لأنها تزيد هذه الحياة من ناحية العمق.»»

تكاد هذه الكلمات القليلة تختصر فلسفة كاملة للقراءة.

فنحن لا نقرأ لمجرد أن نعرف أكثر، وإنما لنعيش أكثر. فالإنسان، مهما امتد به العمر، محكوم بحياة واحدة، وزمان واحد، ومكان محدود، وتجربة لا تستطيع أن تحتوي تجارب البشر جميعًا. لكنه حين يقرأ يستطيع أن يطل من نافذة عمره الواحد على أعمار لا تحصى؛ يعيش مع أناس لم يلقهم، ويدخل عصورًا لم يدركها، ويزور أمكنة ربما لن تطأها قدماه، ويرى العالم بعيون غير عينيه.

فالقراءة لا تضيف إلى أعمارنا سنوات في حساب الزمن، لكنها تضيف إلى سنواتنا عمقًا واتساعًا.

نقرأ التاريخ فنستعير شيئًا من ذاكرة الأمم، ونقرأ السيرة فنقترب من تجارب بشر عبروا الحياة قبلنا، ونقرأ الأدب فنعيش مشاعر ومصائر لم نعشها، ونقرأ الفكر فنحاور عقولًا قد تفصلنا عنها قرون وآلاف الأميال. وهكذا يظل لنا عمر واحد، لكن وعينا لا يعود أسير ذلك العمر وحده.

وللعقاد معنى آخر لا يقل عمقًا؛ فهو يرى أنه لا يكاد يقرأ كتابًا دون أن يخرج منه بشيء، حتى الكتاب التافه؛ إذ يتعلم منه، على الأقل، ما التفاهة، وكيف يكتب أصحابها، وفيم يفكرون.

وهنا ترتقي القراءة من مجرد تحصيل المعرفة إلى تكوين ملكة التمييز. فالقارئ الناضج لا يتعلم فقط ماذا يقبل، وإنما يتعلم لماذا يرفض؛ ولا يعرف الجيد فحسب، بل تتكون لديه حاسّة فكرية وذوقية تكشف الرديء أيضًا. وربما كانت هذه الملكة، في زمن تتدفق فيه المعلومات والآراء بلا انقطاع، من أثمن ما تمنحه القراءة للعقل.

وإذا كان العقاد قد رأى في القراءة حياةً تضاف إلى حياتنا، فإن الجاحظ رأى في الكتاب صحبةً تضاف إلى صحبتنا. وقد كتب، قبل قرون، واحدة من أجمل المرافعات في فضل الكتاب وصحبته، فقال:

««ما أعلم جارًا أبرَّ، ولا خليطًا أنصفَ، ولا رفيقًا أطوعَ، ولا معلّمًا أخضعَ، ولا صاحبًا أظهر كفايةً وأقلّ جنايةً… ولا أحضر معونةً، ولا أيسر مؤنةً، من كتاب».»

لم يكن الجاحظ يمدح أوراقًا مجموعة بين غلافين، وإنما كان يصف علاقة فريدة بين الإنسان والكتاب؛ علاقة بصاحب لا يفرض نفسه عليك، ولا يضجر من غيابك، ولا يقاطعك حين تفكر، ولا يطالبك بمكافأة على ما يمنحك. تستطيع أن تتركه متى شئت، ثم تعود إليه بعد يوم أو عام، فتجده حيث تركته، مستعدًا لأن يستأنف معك الحوار من جديد.
وما أبا الطيب المتنبي عنهم ببعيد حين قال وسارت بقوله الركبان
        أعزُّ مكانٍ في الدُّنى سرجُ سابحٍ
وخيرُ جليسٍ في الزمانِ كتابُ”،

وهكذا يلتقي عمالقة الأدب والفكر والشعر على بُعد القرون بينهم، عند معنى واحد وإن اختلف المدخل إليه: فالقراءة عند العقاد توسّع حدود الحياة، والكتاب عند الجاحظ يوسّع حدود الصحبة؛ وفي الحالتين يخرج الإنسان من ضيق تجربته الفردية إلى رحابة التجربة الإنسانية.

وربما لم نكن في زمن أحوج إلى استعادة هذه الصحبة من زمننا هذا.

فنحن نعيش وسط فيض غير مسبوق من المعلومات: هاتف لا يفارق اليد، ومنصات تتنافس على انتباهنا، ومقاطع تختصر الأفكار في ثوانٍ، ومحركات بحث تجيب قبل أن يكتمل السؤال، وذكاء اصطناعي يستطيع أن يلخص لنا كتابًا لم نفتحه أصلًا.

لقد أصبح الوصول إلى المعلومة أسهل من أي وقت مضى، لكن سهولة الوصول إلى المعلومة لا تعني بالضرورة أننا أصبحنا أكثر معرفة.

فالمعلومة شيء، والمعرفة شيء آخر، والوعي شيء ثالث.

وهنا تستعيد القراءة العميقة قيمتها؛ لأنها لا تمنحنا المعلومات فحسب، وإنما تدربنا على الصبر والتأمل والمقارنة والشك والسؤال وبناء الفكرة. وهي قدرات قد تكون أكثر أهمية اليوم من مجرد امتلاك المعلومات، بعد أن أصبحت المعلومات نفسها متاحة بضغطة زر.

ولكن امتلاك الكتب شيء، وقراءتها شيء آخر، وحسن قراءتها شيء ثالث.

فليس كل من امتلأت مكتبته بالكتب قارئًا، وليس كل من أنهى عشرات الكتب قد انتفع بها. وقد يقرأ إنسان مئات الصفحات فلا يبقى منها في ذهنه إلا القليل، بينما تستوقف آخرَ صفحة واحدة فتغير زاوية نظره إلى قضية، وربما إلى الحياة نفسها.

لذلك فإن السؤال لا ينبغي أن يكون فقط: هل نقرأ؟ بل: ماذا نقرأ؟ ولماذا نقرأ؟ ومتى نقرأ؟ وكيف نقرأ؟ وكم نقرأ؟ والأهم: ماذا تفعل القراءة بنا؟

*ابدأ بما تحب*

كثير ممن هجروا القراءة لم يكرهوها في ذاتها؛ ربما كانت البداية هي المشكلة. بدأ أحدهم بكتاب اختاره له الآخرون، أو بموضوع لا يعنيه، أو بنص يفوق مرحلته المعرفية، ثم ظن أن المشكلة في القراءة نفسها.

ولهذا فإن أبسط نصيحة لمن يريد مصادقة الكتاب هي:

ابدأ بما تحب

اقرأ ما يثير فضولك ويجعلك راغبًا في العودة إلى الكتاب غدًا: رواية، سيرة، تاريخًا، أدب رحلات، علم اجتماع، فلسفة، اقتصادًا، شعرًا، أو غير ذلك.

فحب القراءة يبدأ غالبًا من المتعة، ثم تقود المتعة إلى الفضول، ويقود الفضول إلى المعرفة، ومع الزمن تتسع دائرة الاهتمام وتنضج الذائقة، ويصبح القارئ أقدر على التمييز بين الكتاب العميق والسطحي، وبين الفكرة الأصيلة والعبارة البراقة.

وحتى الكتب الضعيفة قد تعلم القارئ شيئًا؛ تعلمه، على الأقل، كيف يختار كتابه القادم بصورة أفضل.

*لماذا أقرأ؟*

لعل هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يسبق فتح أي كتاب.

فنحن لا نقرأ دائمًا للسبب نفسه. نقرأ أحيانًا للمتعة، وأحيانًا للثقافة العامة، ونقرأ لاستكشاف موضوع جديد، أو للبحث عن معلومة محددة، أو للدراسة والبحث، أو لمراجعة معرفة سابقة، أو لفحص فكرة ومناقشة حجة.

ولكل غرض طريقته.

فمن يبحث عن معلومة في موسوعة لا يحتاج إلى قراءتها من أول صفحة إلى آخرها، ومن يقرأ رواية للاستمتاع لا يتعامل معها كما يتعامل الباحث مع مرجع علمي، ومن يريد دراسة كتاب فكري لا ينبغي أن يمر على صفحاته بالطريقة نفسها التي يتصفح بها الأخبار.

ولذلك ليس من الضروري دائمًا أن نقرأ الكتاب كله من الغلاف إلى الغلاف.

تصفحه أولًا. اقرأ مقدمته وفهرسه وعناوين فصوله، وتعرّف إلى مؤلفه، واستطلع موضوعاته. ويمكنك أن تستأنس بآراء القراء والنقاد حوله، لكن لا تجعل الآخرين يقررون بالنيابة عنك ما يستحق أن تقرأ؛ فكتاب لم يجد فيه غيرك ضالته قد يحمل جوابًا عن سؤال يشغلك أنت.

ثم اسأل نفسك:

ماذا أريد من هذا الكتاب؟

ربما تحتاجه كله، وربما تحتاج فصلًا واحدًا، وربما تكفيك منه صفحات قليلة.

فالغاية ليست أن تقول: أنهيت الكتاب، وإنما أن تصل إلى ما جئت تبحث عنه.

*لكل قارئ ساعته*

كما نختلف في الكتب التي نحبها، نختلف في الأوقات التي يكون فيها الذهن أكثر استعدادًا للقراءة.

هناك من يجد صفاءه في الصباح الباكر، ومن يجد هدوءه بعد منتصف الليل، ومن يستطيع أن يقتنص ساعة بين مشاغل النهار.

ليس المهم أن نبحث عن «الوقت المثالي» الذي يناسب الجميع، وإنما أن يكتشف كل منا ساعته التي يكون فيها أكثر حضورًا، ثم يخصص جزءًا منها للكتاب.

فالقراءة عادة قبل أن تكون موهبة.

وقليل دائم خير من كثير منقطع؛ نصف ساعة يومية من القراءة المركزة يمكن، على امتداد السنوات، أن تبني رصيدًا معرفيًا يفوق موجات الحماس التي تبدأ بكتب كثيرة وتنتهي بهجر القراءة أشهرًا.

ولكن اختيار الكتاب، ومعرفة الغاية منه، والعثور على الوقت المناسب لقراءته ليست سوى بداية الطريق.

فقد نجلس إلى الكتاب في الوقت المناسب، ونقرأ الكتاب المناسب، ثم نخرج منه بالقليل؛ لأن السؤال الأعمق لم يُطرح بعد:

كيف نقرأ الكتاب بحيث لا نمر عليه فحسب، بل يمر هو أيضًا في عقولنا، ويترك شيئًا منه فينا؟

يتبع في الجزء الثاني
*لا تمر على الكتاب.. بل حاوره!*

تابعونا في الجزء الثاني الثلاثاء القادم بمشيئة الله تعالى.

إغلاق