اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

قبل الخطابات السياسية.. مجتمعنا بحاجة إلى الوعي والتنمية

قبل الخطابات السياسية.. مجتمعنا بحاجة إلى الوعي والتنمية

بقلم: أنور سويلم
5 / أكتوبر / 2026م

في الآونة الأخيرة، نلاحظ تزايد إقامة الدورات التدريبية وورش العمل التي تتركز بشكل كبير على الموضوعات السياسية، من الخطابات السياسية إلى النقاشات المتعلقة بالشأن السياسي وكأن واقعنا اليوم لا ينقصه سوى المزيد من الحديث السياسي.

وهنا يحق لنا أن نتساءل بكل وضوح أين نصيب الوعي المجتمعي، وأين الدورات التي تعزز التنمية وبناء القدرات والمهارات التي يحتاجها الناس في حياتهم اليومية.

لسنا ضد تناول القضايا السياسية أو إقامة البرامج التي تناقش الشأن العام، ففهم الواقع السياسي والثقافة المدنية أمر مهم، لكن المشكلة تكمن عندما يصبح هذا الجانب هو الحاضر باستمرار، بينما تتراجع موضوعات أخرى أكثر ارتباطًا باحتياجات المجتمع وتحدياته اليومية.

مجتمعنا اليوم بحاجة إلى دورات في التوعية المجتمعية والتنمية المحلية، وتمكين الشباب، وريادة الأعمال، والتطوع، والإسعافات الأولية، وإدارة الكوارث، والصحة المجتمعية، وحماية الأسرة والطفل، ومكافحة الشائعات، والأمن الرقمي، والمهارات المهنية، وبناء المبادرات المجتمعية وغيرها من المجالات التي يمكن أن تترك أثرًا مباشرًا وملموسًا في حياة الناس.

فما الفائدة من تدريب شاب على مهارات الخطاب السياسي بينما لا يمتلك المهارات التي تساعده على إطلاق مشروع صغير، وما الفائدة من كثرة الندوات السياسية إذا كان المجتمع بحاجة في الأساس إلى من يرفع مستوى وعيه الصحي والاجتماعي، ويعزز قدرته على التعامل مع الأزمات والكوارث، ويمنحه أدوات حقيقية للمشاركة في التنمية؟

نحن بحاجة إلى بناء الإنسان قبل أي شي، فالوعي المجتمعي ليس موضوعًا ثانويًا يمكن تأجيله، بل هو أساس لأي مجتمع يريد أن يتقدم، وكلما ارتفع مستوى وعي المجتمع أصبح أكثر قدرة على فهم واقعه والتعامل مع أزماته، ومواجهة الشائعات والمعلومات المضللة، وحماية أفراده، والمشاركة بصورة إيجابية في معالجة مشكلاته.

وربما يتحسس البعض من طرح مثل هذا الموضوع لكن الهدف ليس انتقاد جهة معينة، ولا التقليل من أهمية أي نشاط أو برنامج، وإنما طرح سؤال مشروع يستحق أن نناقشه جميعًا، هل تتناسب موضوعات الدورات والورش التي نقيمها اليوم مع الأولويات الحقيقية التي يحتاجها المجتمع؟

نحن في مرحلة تحتاج إلى أن تكون فيها البرامج التدريبية أكثر ارتباطًا بالواقع، وأكثر قربًا من الناس، وأكثر قدرة على صناعة أثر حقيقي، نحتاج إلى أن تتحول الدورات من مجرد حضور وشهادات إلى معرفة تُترجم إلى سلوك، ومهارات تتحول إلى مبادرات، وأفكار تتحول إلى مشاريع تخدم المجتمع.

السياسة جزء من الحياة العامة لكنها ليست كل الحياة، أما التنمية والوعي وبناء الإنسان، فهي القاعدة التي يمكن أن يقوم عليها أي تقدم حقيقي.

لذلك قبل أن نكثر من تعليم الناس كيف يتحدثون في السياسة، فلنعلمهم أولًا كيف يبنون مجتمعًا واعيًا، وكيف يساهمون في تنميته، وكيف يكونون جزءًا من الحل لا جزءًا من المشكلة.

هذه ليست دعوة لإلغاء الدورات السياسية، وإنما دعوة إلى التوازن في الأولويات وإلى أن نمنح الوعي المجتمعي والتنمية وبناء القدرات والمساحة التي تستحقها.

فالمجتمع الواعي هو القادر على فهم السياسة، لكن المجتمع الذي يفتقد الوعي قد تتحول السياسة فيه إلى مجرد خطابات لا تغيّر شيئًا من واقعه،
نحن بحاجة إلى وعيٍ يُبنى، وإنسانٍ يُمكّن، ومجتمعٍ يتقدم.. قبل أي خطاب آخر.

إغلاق