من باب المندب إلى أوروبا: كيف يغيّر الحوثيون خريطة صادرات النفط والبنية المالية؟
بقلم/ عمار العامري
“صحفي ومحلل سياسي”
سياسيًا، لا تكون الضربة الأقوى دائمًا في حجم الدمار الذي تسببه، وإنما في المصالح التي تعيد ترتيبها بعد وقوعها.
من هذه الزاوية يمكن قراءة استراتيجية الحوثيين في البحر الأحمر بصورة مختلفة، فبدل التعامل مع باب المندب باعتباره ممرًا يجب إغلاقه أمام الجميع، جرى التعامل معه كورقة ضغط انتقائية تستهدف السعودية بدرجة أساسية، مع إبقاء مساحة لحركة بقية الأطراف، وقد نقلت تقارير حديثة أن الحوثيين قدموا ضمانات بعدم استهداف السفن الأوروبية، كما جرى إيصال رسائل مماثلة إلى الجانب الأمريكي عبر وساطة عُمانية.
في المقابل، إغلاق باب المندب أمام السعودية وحدها قد يضر بالرياض، لكنه لا يحقق كامل الهدف الاستراتيجي، فالسعودية تملك خط الشرق–الغرب الذي ينقل النفط من المنطقة الشرقية إلى ينبع على البحر الأحمر، وهو أحد أهم مساراتها لتجاوز مضيق هرمز، لذلك يصبح ضرب ينبع منطقيًا داخل هذه الاستراتيجية: إذا بقي هذا الخط مفتوحًا، تستطيع المملكة تعويض جزء من أثر الضغط البحري؛ وإذا تعرض هو الآخر للشلل، تنتقل المعركة من حرية الملاحة إلى قدرة السعودية على تصدير النفط نفسه.
وهذا ما حدث فعليًا خلال سبتمبر، عندما أدت هجمات الطائرات المسيّرة إلى توقف خط الشرق–الغرب، واضطرت السعودية إلى إعادة توجيه كميات ضخمة من صادراتها عبر هرمز، مع ارتفاع تكاليف النقل وظهور اختناقات في عمليات الشحن.
لكن كيف قد يؤثر ذلك على أوروبا؟
لأن تراجع الإمدادات السعودية يترك فجوة في سوق الطاقة تحتاج إلى بدائل, وهنا تظهر فنزويلا بصورة لافتة, فقد أصبحت واشنطن صاحبة نفوذ مباشر واسع على قطاع النفط الفنزويلي، بعد اتفاق أعلنته إدارة ترامب يمنح الولايات المتحدة حقوقًا اقتصادية وإدارية كبيرة في قطاع يملك احتياطيات ضخمة، وفي أغسطس أعلنت واشنطن اتفاقًا يتعلق بأكثر من 65 مليار برميل من الاحتياطيات الفنزويلية المؤكدة.
ومن هنا يمكن طرح الفرضية: هل يحاول الحوثيون عزل السعودية عن الولايات المتحدة، عبر جعل المصالح الأمريكية نفسها تتقاطع مع استمرار الضغط على الرياض؟
الاتصال الحوثي بالجانب الأمريكي، حتى مع غياب دليل على وجود صفقة أو تنسيق مباشر، يدخل هنا في الحساب السياسي، فإذا استطاع الحوثيون إقناع واشنطن بأن مصالحها النفطية والأمنية يمكن أن تتقدم رغم الصراع مع الرياض، فإن المعادلة تصبح أكثر تعقيدًا.
وفي الوقت نفسه، العلاقات الأمريكية الأوروبية تمر أصلًا بمرحلة من التوتر داخل حلف الناتو، مع خلافات حول إيران والإنفاق الدفاعي وحجم الالتزام الأمريكي بأمن أوروبا، وقد وصفت مراكز بحثية ووسائل إعلام غربية هذه الخلافات بأنها مصدر توتر متزايد داخل العلاقة عبر الأطلسي.
وهنا قد تظهر المصيدة الحوثية لأمريكا.
فواشنطن قد تجد نفسها أمام منقلب جديد: الضغط على السعودية يرفع أهمية النفط البديل، والنفط الفنزويلي يقع بصورة متزايدة داخل دائرة النفوذ الأمريكي، بينما أوروبا تحتاج إلى تدفقات مستقرة للطاقة، وهكذا يمكن أن تتحول الضربة التي صُممت لإضعاف السعودية إلى عامل يعيد توزيع أوراق الطاقة بين أمريكا وأوروبا.
والأبعد من ذلك يتعلق بالدولار.
إذا تحولت أزمات الطاقة المتكررة إلى دافع لدى الدول المستوردة والمصدرة للنفط لتنويع العملات، وزادت التسويات بعملات أخرى، فقد يتراجع جزء من الطلب العالمي على الدولار، هنا لا نتحدث عن سقوط فوري للبترودولار، ولا عن نهاية تلقائية للهيمنة الأمريكية؛ فلا يوجد أصلًا اتفاق سعودي–أمريكي رسمي يلزم السعودية بتسعير كل نفطها بالدولار، قوة الدولار أعمق من ذلك بكثير.
لكن الخطر الحقيقي على واشنطن يبدأ عندما تتحول السيطرة على طرق النفط إلى تغيير في بنية النظام المالي نفسه، وهذا قد يزيح النفوذ الأمريكي المتحكم عليه ويصبح من صاغ الهندسة هو المتحكم، فوق ذلك يصبح: نفط أقل عبر القنوات التقليدية، وتسويات أكثر تنوعًا، واحتياطات أقل اعتمادًا على الدولار، وتكتلات اقتصادية تبحث عن بدائل.
عندها لا تكون المسألة سقوط «الإمبراطورية الأمريكية» بضربة واحدة، وإنما بداية تآكل تدريجي لأحد أهم أعمدتها المالية.
ومن هنا يصبح السؤال أكبر من باب المندب:
هل يضرب الحوثيون السعودية فقط، أم أنهم يدفعون، من حيث يدركون أو لا يدركون، إلى إعادة تشكيل خريطة النفط بين السعودية وأمريكا وأوروبا وفنزويلا؟
وهل كان سقوط المخا مجرد تطور عسكري في الحرب اليمنية، أم أن السيطرة على الساحل الغربي وباب المندب تحمل وظيفة استخباراتية واقتصادية أوسع؟
في لعبة المصالح الكبرى، قد تكون أخطر النتائج هي تلك التي لا تظهر عند لحظة التوتر والتطور الجديد، وإنما بعد أن تبدأ الدول في تغيير حساباتها، ومصالحها في التحالفات.






