أرواح أشرقت من شمس الجنوب ونساجت مجد حضرموت
بقلم /نوف محمد باوزير
في سحيق سِفر التاريخ وعلى متون الجغرافيا الممتدة بذخاً وشموخاً من أطراف المجد إلى أقاصي السناء تنبثق الملحمة التي لا تُطوى ولا تغيب شمسها حكاية نساءٍ قُددن من غزل الفجر الأبلج وسُقين من أعماق النقاء السرمدي لتغدو المرأة الجنوبية في المبتدأ والمنتهى سيدة الصمود ورائحة الأرض وسادنة القيم التليدة التي تكسرت على سدّها الماجد أمواج السنين وعاتيات الزمان حيث تتجسد في حضورها مهابة الجبال ودفء النخيل وعفة السواحل الممتدة بلا نهايات وتتبرقع بالحياء الذي ليس دونه زينة وترتدي الرزانة ثوباً لا يبلى وإن الحديث عن نساء الجنوب لهو الغوص في بحار الجود والوفاء والكرم الذي يتدفق من أروقة البيوت الطينية الشامخة التي احتضنت العظماء والعلماء والفرسان وكانت وما زالت الموئل الدافيء والقلعة الحصينة التي صانت الهوية ونشأت في أكنافها أجيال تشربت الشجاعة والفصاحة والأمانة كابراً عن كابر وفي قلب هذا الامتداد الرفيع والمجد العريض تتربع الحضرمية على عرش الاستثناء فتشرق كأيقونة فريدة وتجلي ساحر ومهابة خاصة تستمد أسرارها من عمق وادي حضرموت الذي طال سحاب السناء وحمل التاريخ على كاهله بكبرياء يمنح الأمكنة ألقاً وهيبة وتراها أسطورةً تدشيها الحكمة وتصوغها دقة التدبير وتزينها حشمة طاهرة تُعجز الوصف وتأسر الأفئدة هي مدرسة الرصانة في الفكر وسيدة الاقتصاد العائلي بلا منازع تجمع في كفّيها بين البساطة المذهلة والوعي الباهر والقدرة الفائقة على تحويل العدم إلى ثراء والضيق إلى سعة بقلبٍ مطمئن ووجه ضاحك ونفس راضية وقنوعة ولطالما كانت الشريكة الحقيقية للمغترب الحضرمي الذي طاف أطراف المعمورة ونشر الإسلام بالأخلاق العالية والسمت الرفيع فكانت هي الركن الشديد الذي يحرس الغيب ويصون العهد ويشيد قواعد البيت في غيابه وتلقن النشء علوم الدين وحفظ القرآن العظيم والاعتزاز بالأصول الكريمة فتركت بتدبيرها وعفتها أثراً لا تمحوه الأيام وعبقاً يضوع في المشارق والمغارب ولا يقف الجمال عند نساء الجنوب عامة والحضرميات خاصة عند حدود العيون الممتلئة بالسحر النقي والملامح المنسوجة من نسيج البهاء بل يتجاوز ذلك ليكون خُلُقاً سامياً ونطقاً صادقاً ولساناً عفيفاً وطيبة أثر تجعل من خطواتهن بركة ومن حديثهن بلسماً ينزع هموم الحياة ومن وجودهن سَكناً وركيزة متينة تسند الأسرة وتبني المجتمعات بغير صخب أو ادعاء فتراهنّ يستقبلن التحديات بعزيمة الرواسي ويُلبسن البيوت أثواب الفرح والدفء الفواح برائحة اللبان الذكي والبخور الحضرمي العتيق الذي يحكي أصالة التاريخ وعراقة الحاضر وتظل الحضرمية والجنوبية نبعاً يفيض بالحنان والأمل لا ينضب ماء جوده ولا يتبدل سمته بالزمان بل تزداد مع مرور الأيام رصانةً وثباتاً وتألقاً لتثبت للوجود أن الوقار هو تاج الحُسن وأن العقل الراجح والحياء هما النور الذي لا يخبو أبداً وهكذا تبقى حرائر الجنوب وفي طليعتهن نساء حضرموت النبراس الأبهى الذي يستضاء به والأيقونة الخالدة للجمال المتوج بالعفاف والوفاء الذي لا يتبدل وقصة العشق الخالدة للأرض والأهل والتي تظل مكسوة بالمهابة والسناء وتتوارثها الأجيال كأعظم وأفخم أنموذج للمرأة العربية الأصيلة الماجدة.






