المعلم بين مطرقة الحاجة وسندان القرار.. متعاقدو التربية في حضرموت أمام اختبار جديد ..
بقلم: زيد عائض عبود بن حريز
الثلاثاء 22 سبتمبر 2026
ليس من السهل الحديث عن التعليم في حضرموت بمعزل عن حال المعلم، فالمعلم هو قلب المدرسة وروحها، وأي قرار يمس استقراره الوظيفي والمعيشي لا يتوقف أثره عند حدود راتبه أو عقده، بل يمتد مباشرة إلى الطالب والمدرسة والأسرة والمجتمع ومستقبل العملية التعليمية بأكملها.
واليوم تقف قضية متعاقدي التربية والتعليم في حضرموت أمام منعطف بالغ الحساسية، بعد الجدل الذي رافق العقود الجديدة والإجراءات المتخذة بحق من لم يوقعوا عليها. وقد أعلنت نقابة معلمي وتربويي حضرموت رفضها لما وصفته بالضغط والتهديد بإنهاء العقود وإيقاف المتعاقدين عن العمل، فيما تؤكد الجهات التربوية من جانبها أن العقود الجديدة تتضمن استمرار بعض المستحقات والحوافز وتنظم العلاقة التعاقدية.
والسؤال هنا ليس: من مع المعلم ومن ضده؟
بل السؤال الأهم: هل تعالج هذه الإجراءات أزمة التعليم، أم أنها تنقل الأزمة من مكان إلى آخر؟
سنوات من الخدمة لا ينبغي أن تبدأ من الصفر
هناك معلمون متعاقدون أمضوا سنوات طويلة داخل المدارس، تحملوا أعباء التدريس، ووقفوا أمام الطلاب في أوقات كان فيها العجز في الكادر التعليمي واضحاً.
وتشير تقارير حديثة إلى أن بعض المعلمين الذين انتهت عقودهم أمضوا سنوات طويلة في الخدمة، وفي بعض الحالات نحو تسع سنوات. كما شهدت المكلا احتجاجات مرتبطة بإنهاء عقود عدد من المعلمين.
ومن هنا فإن إعادة صياغة العقد ليست مجرد ورقة جديدة يوقعها المعلم، بل يجب أن تكون معالجة قانونية وإدارية تراعي سنوات الخدمة السابقة والخبرة المكتسبة وحاجة المدارس الفعلية.
أما أن يُطلب من معلم خدم سنوات أن يتعامل مع وضعه وكأنه يبدأ عمله من اليوم الأول، فذلك يفتح باباً واسعاً للأسئلة حول العدالة الوظيفية وتقدير سنوات العطاء.
المحافظ طرف في العقد.. والمسؤولية أكبر
حين تكون السلطة المحلية طرفاً في تنظيم عقود المعلمين، فإن مسؤوليتها لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها مسؤولية إدارية فقط، وإنما مسؤولية تجاه استقرار التعليم في المحافظة.
واللافت أن المحافظ سالم أحمد الخنبشي أكد في مناسبات سابقة أن استقرار العملية التعليمية وحقوق المعلمين من أولويات السلطة المحلية، كما بحث مع قيادة التربية في مارس 2026 أوضاع المعلمين المتعاقدين وسبل معالجتها.
وهذا يجعل المرحلة الحالية بحاجة إلى ترجمة تلك المواقف إلى إجراءات عملية تحقق التوازن بين حق السلطة في تنظيم التعاقد وبين حق المعلم في عدم ضياع سنوات خدمته ومصدر رزقه.
فالقرار الإداري مهما كانت مبرراته يجب ألا يتحول إلى سبب إضافي لاضطراب المدرسة.
المشكلة أكبر من عقد
أخطر ما في قضية المتعاقدين أنها تأتي في وقت يعاني فيه التعليم أصلاً من تراكمات كبيرة: نقص المعلمين، العجز في بعض التخصصات، تراجع القدرة الشرائية، تأخر المستحقات، وضعف الإمكانات المدرسية.
بل إن مكتب التربية نفسه ناقش خلال عام 2026 موضوع الشواغر التدريسية وعزوف الطلاب عن الالتحاق بكليات التربية، وهي مؤشرات تكشف أن مشكلة الكادر التعليمي ليست مشكلة عقود فقط، وإنما مشكلة بنيوية تحتاج إلى رؤية طويلة المدى.
وقد اتخذت السلطة المحلية خطوات لتنظيم صرف مستحقات المتعاقدين، منها الاتفاق على صرف مرتبات متعاقدي ساحل حضرموت عبر بنك حضرموت التجاري، وهو إجراء إداري مهم، لكنه لا يحل وحده جوهر المشكلة.
وزارة التربية والتعليم
ماذا سيحدث إذا خسر التعليم معلميه؟
هذه هي النقطة التي يجب أن تتوقف أمامها كل الجهات المعنية.
إذا خرج عدد كبير من المتعاقدين من المدارس في وقت واحد، فمن سيغطي الحصص؟
ومن سيغطي التخصصات التي تعاني أصلاً من العجز؟
وهل تمتلك المدارس البدائل الجاهزة؟
إن فقدان معلم متمرس لا يعني فقدان موظف فقط، وإنما يعني فقدان خبرة تربوية تراكمت داخل المدرسة، ومعرفة بالطلاب والبيئة التعليمية والمناهج وطبيعة المجتمع المحلي.
والأخطر أن المتضرر الأول في النهاية ليس المعلم وحده، وإنما الطالب.
وقد بدأت بالفعل تقارير محلية تتحدث عن إشعارات للمتعاقدين الذين لم يجددوا عقودهم، وربط ذلك بإيقافهم عن العمل وإسقاط أسمائهم من كشوفات الرواتب.
وهنا يجب أن يكون السؤال حاضراً: هل نعيد بناء التعليم باستبعاد الكادر الموجود، أم بإصلاح الاختلالات والاستفادة من الكادر وفق الحاجة والكفاءة؟
التعليم في الجنوب.. جرح قديم
لا يمكن أيضاً فصل أزمة التعليم الحالية عن المسار الطويل الذي مر به التعليم في الجنوب منذ الوحدة.
فالتعليم خلال العقود الماضية تعرض، وفق قراءات وانتقادات واسعة، لتراكمات من التدهور في البنية المؤسسية والمناهج والإدارة والتمويل ووضع المعلم، حتى أصبحت المدرسة اليوم تحمل نتائج سنوات طويلة من الأزمات السياسية والاقتصادية والإدارية.
لكن الحديث عن الماضي لا ينبغي أن يكون ذريعة لعدم إصلاح الحاضر.
فالمطلوب اليوم ليس البحث عن طرف نحمّله كل أخطاء الماضي، وإنما إنقاذ ما يمكن إنقاذه وبناء منظومة تعليمية أكثر استقراراً وعدالة.
المطلوب.. مراجعة لا مواجهة
إن قضية المتعاقدين تحتاج إلى قرار شجاع، لكن القرار الشجاع ليس بالضرورة القرار الأكثر صرامة.
القرار الشجاع هو الذي يستطيع أن يجمع بين هيبة الإدارة وحقوق المعلم ومصلحة الطالب.
ومن هنا يمكن أن تبدأ المعالجة من خلال:
* تجميد أي إنهاء جماعي لعقود المتعاقدين إلى حين استكمال مراجعة الملف بصورة عادلة.
* مراجعة العقد الجديد بنداً بنداً من لجنة قانونية وتربوية محايدة.
* احتساب سنوات الخدمة السابقة وعدم التعامل مع المعلم القديم كمتعاقد جديد.
* إجراء مسح ميداني حقيقي لاحتياجات المدارس قبل الاستغناء عن أي معلم.
* ربط التجديد بـ الكفاءة والأداء والحاجة الفعلية وليس بمعايير غير واضحة.
* وضع آلية واضحة لمعالجة أوضاع من خدموا سنوات طويلة، وصولاً إلى التثبيت أو التسوية القانونية متى توفرت شروطها.
* إشراك ممثلي المعلمين والتربويين في صياغة الحل، بدلاً من تحويل القضية إلى مواجهة.
* وضع خطة عاجلة لمعالجة نقص المعلمين والتخصصات قبل بدء أي استغناء.
حماية انتظام العام الدراسي؛ لأن الطالب لا ينبغي أن يدفع ثمن الخلاف الإداري أو التعاقدي.
* إنشاء رؤية شاملة لإصلاح التعليم في حضرموت، بدلاً من معالجة كل أزمة بقرار منفصل.
كلمة أخيرة:
المعلم ليس رقماً في كشف، وليس بنداً في موازنة، وليس اسماً يمكن حذفه من قائمة وإضافة اسم آخر مكانه.
المعلم إنسان اختار مهنة بناء الإنسان، ووقف سنوات أمام السبورة، وتحمل ظروفاً معيشية صعبة، واستمر في أداء رسالته رغم ضعف الإمكانات وتراجع قيمة الدخل.
ولهذا فإن معالجة ملف متعاقدي التربية والتعليم يجب أن تكون معالجة تحفظ كرامة المعلم، وتصون حق السلطة في التنظيم، وتحمي حق الطالب في التعليم.
أما تحويل القضية إلى معركة بين السلطة والمعلم، أو إلى إنذارات وتهديدات بإنهاء العقود، فلن ينتج لنا تعليماً أفضل؛ بل قد يضيف جرحاً جديداً إلى جسد تعليم يعاني أصلاً من تراكمات ثقيلة.
حضرموت لا تحتاج اليوم إلى مزيد من الأزمات داخل مدارسها، بل تحتاج إلى قرار تربوي يعيد الثقة إلى المعلم، والاستقرار إلى المدرسة، والأمل إلى الطالب.
فإذا كان المعلم هو أساس العملية التعليمية، فإن كسر استقرار المعلم هو بداية كسر استقرار المدرسة، وكسر استقرار المدرسة هو تهديد مباشر لمستقبل التعليم كله.






