المعلّم.. رسالة وطن لا يجوز أن تُهان
بقلم / الشيخ د طالب باجري
الثلاثاء 2026/9/22
المعلّم ليس موظفًا عابرًا في مؤسسات الدولة، ولا رقمًا في كشوفات الرواتب والعقود، بل هو الإنسان الذي يحمل على عاتقه مسؤولية بناء العقول وصناعة الأجيال. فمن المدرسة يبدأ الطبيب والمهندس والقاضي والضابط والمفكر، وبجهد المعلّم تُبنى المجتمعات وتُحفظ قيمها ومستقبلها.
وفي حضرموت، تتصاعد خلال هذه الأيام قضية المعلمين المتعاقدين، في ظل خلافات حول العقود الجديدة وآليات تجديدها، وما يترتب عليها من استمرار أو إنهاء العلاقة التعاقدية. وقد أعلنت نقابة معلمي وتربويي حضرموت الساحل رفضها لأي إجراءات تنهي عقود المتعاقدين بسبب عدم توقيع العقود الجديدة، وطالبت بمعالجة القضية عبر الحوار والإنصاف.
وهنا نقول بكل وضوح: إن حقوق المعلم ليست مجالًا للمساومة، وكرامته ليست ورقة تفاوض.
لقد خدم كثير من المعلمين المتعاقدين سنوات طويلة داخل المدارس، وتحملوا أعباء المهنة في ظروف اقتصادية ومعيشية صعبة، وكانوا جزءًا أساسيًا من استمرار العملية التعليمية. ولذلك فإن معالجة أوضاعهم يجب أن تقوم على العدالة والإنصاف وحفظ سنوات الخدمة والخبرة، لا على إجراءات مفاجئة تزيد من معاناتهم وأسرهم.
والأمر لا يتعلق بالمعلم وحده؛ فحين يشعر المعلم بعدم الاستقرار الوظيفي والمعيشي، فإن انعكاس ذلك يصل إلى المدرسة والطالب والأسرة والمجتمع بأكمله.
كما أن السلطة المحلية نفسها كانت قد أعلنت في يوليو 2026 تشكيل لجنة لمراجعة الأوضاع المالية والإدارية للمتعاقدين في مكتب التربية والتعليم بساحل حضرموت، مؤكدة أن الهدف هو معالجة أوضاعهم وحفظ الحقوق وفق الأطر القانونية والإدارية.
ومن المهم كذلك أن هناك حكمًا قضائيًا سابقًا تناول ملف المتعاقدين في ساحل حضرموت، وتضمن — بحسب ما نشره موقع محافظة حضرموت — منع إلغاء عقود المتعاقدين تعسفيًا، ومتابعة إجراءات تثبيتهم واحتساب سنوات خدمتهم، إلى جانب معالجة عدد من الحقوق المالية والوظيفية.
نستنكر الإجحاف بحق المعلم
إننا نستنكر أي إجراء من شأنه أن ينتقص من حقوق المعلم أو يهدر سنوات خدمته أو يضعه أمام خيار صعب بين قبول شروط مجحفة أو فقدان مصدر رزقه.
وفي الوقت نفسه، فإن معالجة هذا الملف لا تكون بالتصعيد المتبادل، وإنما بالجلوس إلى طاولة الحوار، والاستماع إلى المعلمين ونقابتهم، ومراجعة العقود بصورة عادلة وشفافة، ووضع حلول تحفظ حقوق المعلمين وتضمن استمرار العملية التعليمية.
فالاختلاف حول العقود يمكن معالجته بالحوار، والاحتياجات المالية يمكن مناقشتها، والتنظيم الإداري يمكن تطويره، لكن كرامة المعلم وحقوقه التي تراكمت عبر سنوات من الخدمة يجب أن تكون حاضرة في أي قرار.
إننا بحاجة اليوم إلى موقف مسؤول يضع المعلم والطالب والتعليم فوق الخلافات، ويعمل على إعادة الاستقرار إلى المدارس، وإنصاف المعلمين، وحماية مستقبل أبنائنا.
فاحترام المعلم ليس منّة من أحد، بل احترام للتعليم، واحترام للتعليم هو احترام لمستقبل المجتمع كله.
المعلم يستحق الإنصاف.. يستحق الأمان.. ويستحق أن تُصان كرامته وحقوقه.






