بعد عقد من الزمن وطول الانتظار.. معلمو ومعلمات حضرموت يغادرون التعليم بقلوب موجوعة.
بقلم: أ. محمد سالم بن جعفر
22 سبتمبر 2026
عشر سنوات ليست مجرد رقم عابر في دفتر الأيام، وليست فترة قصيرة يمكن أن تُمحى بكلمة أو قرار… إنها عشر سنوات من العمر، من التعب، والصبر، والوقوف أمام السبورة، وصناعة أجيال كان لها أن تكبر وهي تحمل في ذاكرتها أسماء معلمين ومعلمات أعطوا من أعمارهم الكثير، وانتظروا في المقابل وعدًا واحدًا: الإنصاف.
لكن اليوم، يغادر عدد من المعلمين والمعلمات المتعاقدين في حضرموت مدارسهم، ليس لأنهم فقدوا الرغبة في التعليم، ولا لأنهم اختاروا الرحيل، وإنما بعد سنوات طويلة من الانتظار والوعود التي علّقت آمالهم بمستقبل أفضل.
غادروا المدارس، لكنهم لم يغادروا بقلوب راضية.
غادروا وفي صدورهم غصة، وفي عيونهم دمعة، وفي ذاكرتهم آلاف المواقف مع طلابهم الذين أحبّوهم وأخلصوا لهم.
أي وجعٍ يمكن أن يشعر به معلم قضى سنوات من عمره في خدمة التعليم، ثم يجد نفسه فجأة خارج المدرسة؟
وأي رسالة يمكن أن نوجهها للمعلم بعد ذلك عندما نقول له: اصبر، انتظر، القادم أفضل؟
لقد صبروا سنوات، وتحملوا الظروف، وواصلوا أداء رسالتهم رغم قسوة الواقع، وكان الأمل هو الشيء الوحيد الذي يبقيهم متمسكين بالمدرسة.
لكن حين يتحول الانتظار إلى سنوات، والوعود إلى سراب، والأمل إلى خيبة… يصبح الوجع أكبر من أن تصفه الكلمات.
إنها ليست قضية راتب فقط، وليست قضية وظيفة فحسب؛ إنها قضية كرامة إنسان أفنى جزءًا من عمره في خدمة التعليم.
كيف نطلب من المعلم أن يبني جيلًا يؤمن بالمستقبل، بينما هو نفسه يعيش مستقبلًا مجهولًا؟
كيف نحدث أبناءنا عن قيمة العلم والتعليم، بينما يشعر معلموهم بأن سنوات خدمتهم لم تجد الإنصاف الذي كانوا ينتظرونه؟
إن استبعاد معلمين ومعلمات أمضوا سنوات طويلة في الميدان، دون معالجة عادلة لأوضاعهم، يفتح أسئلة مؤلمة حول مستقبل التعليم، وحول مصير من اختاروا الوقوف في الصفوف الأمامية لخدمة المدارس والطلاب.
لقد كان بإمكان هؤلاء المعلمين أن يبحثوا عن أعمال أخرى، وأن يتركوا المدارس منذ سنوات، لكنهم بقوا لأنهم آمنوا برسالتهم، وانتظروا أن يأتي اليوم الذي يُنظر فيه إلى سنوات خدمتهم بعين الإنصاف.
واليوم، بعدما أُغلقت أمامهم أبواب الأمل، يغادرون المدارس ورؤوسهم مرفوعة؛ لأنهم يعرفون أنهم قدموا ما يستطيعون، وأنهم لم يبخلوا بسنوات من أعمارهم في سبيل طلابهم ووطنهم.
أما الوعود التي لم تتحقق، والأحلام التي طال انتظارها، فستبقى جرحًا مفتوحًا في ذاكرة هؤلاء.
ليس من السهل أن تقول لمعلم أفنى عشر سنوات من عمره: انتهى دورك.
وليس من السهل أن ترى معلمة قضت أجمل سنوات شبابها بين الكتب والطلاب والسبورة، ثم تعود إلى منزلها وهي تسأل نفسها:
ماذا بقي لي من كل هذه السنوات؟
ربما تستطيع القرارات أن تُخرج المعلم من المدرسة، لكنها لا تستطيع أن تمحو السنوات التي عاشها فيها، ولا الذكريات التي تركها بين طلابه، ولا الأثر الذي صنعه في حياة من علّمهم.
وإن كان هناك من يرى أن هذه الإجراءات ضرورية أو لها مبرراتها، فإن ذلك لا يلغي حق المعلمين والمعلمات في معرفة مصيرهم، وسماع قضيتهم، والحصول على معالجة عادلة ومنصفة لأوضاعهم.
فالتعليم لا يُبنى بالقرارات وحدها، وإنما يُبنى بالإنسان الذي يقف كل صباح أمام الطلاب.
وفي النهاية، حين تضيق السبل ويعجز الإنسان عن إيصال صوته، لا يبقى أمامه إلا باب الله.
إلى الله نشتكي ما أصابنا، وإلى الله نرفع مظلمتنا، وعند الله تجتمع الخصوم.
فدعوة المظلوم لا تحتاج إلى منصب، ولا إلى واسطة، ولا إلى ختم مسؤول.
يكفيها أن تصعد إلى السماء محملة بوجع قلبٍ يرى أن حقه قد ضاع.
اللهم إن كان لهم حق فردّه إليهم، وإن كان في الأمر ظلم فاكشفه، وإن كان لهم نصيب من الإنصاف فاكتب لهم فرجًا قريبًا.
وسيظل السؤال قائمًا:
من ينصف المعلم الذي أفنى عشر سنوات من عمره في خدمة التعليم؟ ومن يعيد إلى هؤلاء المعلمات والمعلمين الأمل الذي انتظروه طويلًا؟
هذه ليست صرخة ضد التعليم…
بل صرخة من أجل التعليم، ومن أجل المعلم، ومن أجل جيلٍ لا يمكن أن يُبنى على أنقاض حقوق من علّموه.






