رفع السقف العسكري يوسّع عزلة الحوثيين
تاربة اليوم
2026-09-20 23:19:00
الاحد 20 سبتمبر 2026 – الساعة:14:19:07
(تاربة اليوم / العرب)
يضع التصعيد الحوثي الأخير ضد السعودية مسار التسوية السياسية في اليمن أمام اختبار جديد، بعدما انتقلت الهجمات إلى مستوى أكثر حساسية مع إعلان الجماعة استهداف مواقع في الرياض، بالتزامن مع هجمات أخرى طالت مدنا ومنشآت حيوية سعودية. وتأتي محاولة وبينما تحاول الجماعة استخدام الضغط العسكري لفرض وقائع جديدة على الأرض، قد يؤدي رفع سقف الهجمات إلى نتيجة عكسية تتمثل في زيادة الضغوط السياسية عليها وتضييق هامش المناورة أمام أي مسار تفاوضي مقبل.
استهداف الرياض في سياق تصعيد متواصل بدأ منذ يوليو، وشمل هجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة على مدن ومنشآت للطاقة ومواقع اقتصادية سعودية. وأعلنت جماعة الحوثي استهداف “مواقع حساسة” في الرياض، بينما قالت السعودية إن دفاعاتها اعترضت صاروخا كان متجها نحو العاصمة، وأفادت تقارير عن مشاهدة ألسنة لهب ودخان أسود قرب مطار الرياض، من دون تحديد مستقل لطبيعة الموقع الذي تعرض للحادث. كما أعلنت الجماعة استهداف منشأة تابعة لشركة أرامكو في ينبع.
ولا تكمن حساسية الهجوم في طبيعته العسكرية فقط، وإنما في دلالته السياسية أيضا. فاستهداف العاصمة السعودية يضع أمن المدن والمنشآت المدنية في صدارة الأزمة، ويجعل من الصعب التعامل مع التصعيد باعتباره مجرد ورقة ضغط مرتبطة بجبهات القتال داخل اليمن. وكلما اتسعت دائرة الأهداف، ارتفعت كلفة الفصل بين المسار العسكري والمسار السياسي، وأصبح أي حديث عن تسوية بحاجة إلى معالجة مباشرة لمسألة وقف الهجمات وضمان عدم تكرارها.
وقد ظهر هذا البعد في موقف مجلس الأمن، الذي أدان الهجمات الحوثية العابرة للحدود ضد السعودية، بما في ذلك الهجمات التي طالت البنية التحتية المدنية والطاقة. كما ناقش المجلس في اجتماعاته اتساع التصعيد الحوثي على الجبهتين السعودية واليمنية، والمخاطر التي تفرضها الهجمات على الملاحة وأمن الطاقة.
وقال مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في بيان إنه “يندد بأشد العبارات باستمرار هجمات الحوثيين على السعودية، بما في ذلك الهجمات التي تؤثر على البنية التحتية المدنية والطاقة، والتي أسفرت عن إصابة مدنيين بينهم نساء وأطفال”.
كلما حاول الحوثيون رفع كلفة الحرب على السعودية، زادت احتمالات تحول الهجمات نفسها إلى عبء سياسي عليهم وعلى إيران
وندد مجلس الأمن في البيان أيضا “بالتصعيد العسكري للحوثيين داخل اليمن” وتمنح هذه المواقف الرياض مساحة سياسية أوسع للتأكيد على أن القضية لم تعد مرتبطة فقط بالحرب اليمنية، وإنما بأمنها وسيادتها وبحماية البنية التحتية الحيوية. كما أن استمرار الهجمات على منشآت الطاقة يزيد من البعد الدولي للأزمة، في وقت تعرضت فيه منظومة نقل النفط السعودية لضغوط شديدة، بعدما أدى هجوم سابق إلى تعطيل خط أنابيب الشرق-الغرب، الذي يمثل أحد المسارات البديلة لنقل النفط بعيدا عن مضيق هرمز.
ومن هذه الزاوية، فإن رفع السقف العسكري لا يمنح الحوثيين بالضرورة مكاسب سياسية موازية. فقد يكون بإمكان الهجمات إحداث اضطراب أمني ورفع كلفة الحرب، لكنها في المقابل تدفع مزيدا من الأطراف إلى التركيز على حماية السعودية وأمن الملاحة والطاقة، بدلا من النظر إلى الجماعة باعتبارها طرفا يمكن التعامل مع مطالبه بمعزل عن سلوكها العسكري.
وتظهر التحركات التركية والباكستانية جانبا آخر من هذه المعادلة. فقد أكد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان استعداد بلاده لتلبية احتياجات عسكرية سعودية في إطار اتفاق الدفاع المشترك مع السعودية وباكستان، في وقت أوضحت فيه إسلام آباد أنه لم تُناقش استجابة عسكرية فورية بموجب الاتفاق. ويعكس ذلك وجود تضامن سياسي وأمني مع الرياض، من دون أن يعني بالضرورة انتقال الاتفاق إلى تدخل عسكري مباشر ضد الحوثيين.
والأهم أن هذا الحراك لا يجري في بيئة مغلقة أمام الدبلوماسية. ففيدان نفسه تحدث عن مبادرات ومقترحات لإنهاء القتال، بينما تتواصل اتصالات ووساطات إقليمية مرتبطة بالملف اليمني وبالحرب الأوسع في المنطقة. كما تؤكد مواقف باكستانية متكررة أن الحوار والدبلوماسية يظلان مطروحين بالتوازي مع دعم السعودية في مواجهة الهجمات.
وهنا تظهر المفارقة الأساسية في التصعيد الحوثي: كلما حاولت الجماعة رفع كلفة الحرب على السعودية، زادت احتمالات تحول الهجمات نفسها إلى عبء سياسي عليها. فالهجوم على الرياض لا يضيف فقط بعدا أمنيا إلى الأزمة، بل يعزز أيضا المواقف الرافضة للهجمات ويجعل حماية السعودية وسيادتها جزءا أكثر حضورا في أي نقاش حول التسوية.
ولا يعني ذلك أن المسار السياسي أصبح مغلقا أمام الحوثيين، أو أن الإدانات الدولية وحدها ستغير ميزان القوى. فالجماعة ما تزال تملك قدرات عسكرية، كما أن السيطرة على مناطق ساحلية استراتيجية تمنحها أوراقا مؤثرة في الحسابات الإقليمية. لكن استمرار التصعيد يرفع كلفة استخدام هذه الأوراق، خصوصا إذا تحولت الهجمات من وسيلة للضغط إلى عامل يجمع خصوم الجماعة حول أولوية احتواء تهديداتها.
وبذلك، قد يتحول رفع السقف العسكري من أداة لتحسين شروط التفاوض إلى عامل يضيّق هامش المناورة أمام الحوثيين. فالتسوية السياسية لا تزال ممكنة من حيث المبدأ، لكن البيئة التي ستُطرح فيها أصبحت أكثر ارتباطا بضمانات أمنية ووقف للهجمات وحماية للمدنيين والمنشآت الحيوية والملاحة. وكلما استمرت الهجمات على المدن السعودية، أصبح من الصعب فصل أي اتفاق سياسي عن السؤال الأكثر إلحاحا: كيف يمكن منع عودة التصعيد بعد التوصل إلى التسوية؟






