وقود الحرب وأحلام الشباب: مأساة حضرموت بين ضيق الخيارات وخيانة الساحل والعبر
بقلم | أ.د. خالد سالم باوزير
الاربعاء 16 سبتمبر 2026
تابعنا عبر وسائل التواصل الاجتماعي على مدى الأيام الثلاثة الماضية الأنباء المؤلمة الواردة من جبهات القتال، وشاهدنا قائمة الشهداء والجرحى من مختلف المحافظات الجنوبية.
غير أن ما يبعث على الأسى والوجع في النفس بشكل خاص، هو استشهاد العشرات من أبناء حضرموت في مناطق المواجهة، سواء في الساحل الغربي أو في جبهات الجوف.
لقد قضى بعض هؤلاء الشباب نخب الإستهداف بالمُسيّرات وهم في طريقهم إلى الجوف، بينما قضى آخرون بانفجار عبوات ناسفة قُبل وصولهم إلى ساحة المعركة؛ وكأن التضحية بالدماء قُدّرت فقط على أبناء الفقراء والمعدمين من محافظات الجنوب وحضرموت.
يحدث هذا في الوقت الذي ينعم فيه أبناء القيادات السياسية والمسؤولين الحزبيين بالسكن الآمن في العواصم العربية والغربية، ويواصلون تعليمهم في الجامعات الأجنبية عبر منح دراسية تُمنح بالوساطات وعلى حساب الدولة وخارج إطار القانون.
إن هذا الواقع يدفعنا للقول بشفافية: إن غالبية هؤلاء المسؤولين باتوا عبئاً ثقيلاً على المجتمع؛ سنوات طويلة وهم يجشعون المكاسب ويحصدون الملايين بالدولار لحسابهم وحساب أقاربهم، بينما يُترك الشباب المعدمون للموت.
لقد أجبرت الظروف المعيشية القاسية هؤلاء الشباب على الالتحاق بمؤسسات عسكرية يعاني بعضها من اختراقات أمنية واضحة.
ولعل ما شهدته منطقة “العبر” الصحراوية من قصف لمُسيّرات جماعة الحوثي، وما سبقها في الساحل الغربي من انسحابات غير مبررة لقوات ضخمة ومجهزة، يثير شكوكاً قوية بحتمية وجود اختراقات وتسهيلات لوجستية تسببت في استهداف هؤلاء الشباب الأبرياء، هم شباب في مقتبل العمر، كل أحلامهم تمثلت في بناء مستقبل بسيط أو إعالة أسرهم.
في كل بيت حضرمي اليوم تجد عدة شباب بلا عمل، في ظل عجز عوائلهم عن توفير القوت الضروري جراء الغلاء وتدني القدرة الشرائية للرواتب، في حين تذهب الامتيازات والوظائف للولاءات الحزبية الضيقة.
إن الانسداد الحاصل في أفق العمل، وضغوطات الحياة، وإغلاق أبواب الهجرة وتراجع فرص العمل في دول الخليج، إلى جانب ركود الأعمال محلياً؛ كل ذلك يضع الشاب الحضرمي أمام خيارات معدومة، تدفعه في النهاية نحو السلك العسكري كملجأ أخير لتأمين العيش، حتى وإن كان طريقاً محفوفاً بالمخاطر.
وبالعودة إلى الذاكرة التاريخية، كان الحضارم يتوجسون خيفة من التجنيد؛ حيث تظهر الإحصاءات التاريخية لعام 1990 أن نسبة مشاركة أبناء حضرموت والمهرة في جيش الجنوب كانت الأقل مقارنة ببقية المحافظات كـ لحج وأبين وشبوة وعدن، استشعاراً منهم لكلفة الصراعات الداخلية التي شهدتها المراحل السابقة (كما في أحداث يونيو 1978 ويناير 1986).
اليوم، ورغم الوعي المجتمعي المتزايد، إلا أن وتيرة الأزمة الاقتصادية والأمنية هي التي زحزحت هذه القناعات وأوقعت الشباب في أتون هذه المواجهات.
إن إظهار الحقائق وتحقيق الشفافية في ملفات الخيانة والتسريب هو أدنى ما يمكن تقديمه لدماء هؤلاء الضحايا، رفعةً لكرامتهم ورحمةً بأسرهم.
والله من وراء القصد.






