“نحن والتراث” ( 2 ) .. التراث ليس مادة متحفية.
بقلم الدكتور / أحمد باصهي
أكاديمي وباحث في علم الإجتماع الإداري.
كنا قد انتهينا في الجزء الأول من هذا المقال إلى فض الإشتباك الحاصل بين الإهتمام بالتراث الى درجة الإستغراق في جوه وتفاصيله ، واستدعائه موسميا كنوع من فلكلور ثقافي تتزين به الصورة وهو مايعتبر تسطيحا وخفة في التعامل مع أهم مرتكزاتنا الحضارية ذلك أنّ أخطر ما يمكن أن يحدث للتراث هو أن نحتفي به إلى درجة نعزله فيها عن الحياة.
فالتراث الذي لا يُقرأ إلا بوصفه ماضيًا، ولا يُستدعى إلا في مناسبات الاحتفاء، يتحول تدريجيًا إلى أثر ثقافي جميل، لكنه قليل الفاعلية في تشكيل الوعي.
أما التراث الحي فهو الذي يدخل في حوار مع الحاضر؛ نقرأه لنفهم الإنسان والمجتمع والدولة والاقتصاد والثقافة والقيم ومسارات التحول الحضاري.
ومن هنا فإن المطلوب ليس تقديس التراث ولا هدم التراث، وإنما تحرير علاقتنا به من ثنائية التقديس والرفض.
نحن بحاجة إلى تراث يُقرأ بعين الباحث، لا بعين المُريد؛ ويُحترم دون أن يُعفى من النقد؛ ويُستعاد دون أن يُستنسخ؛ ويُستثمر دون أن يُستغل أو يوظف لصالح فئة أو طريقة أو تيار فكري بذاته بعيدا عن الحيادية والتجرد والموضوعية المنهجية.
كأن يصبح تغنيا بالأمجاد وبحثا سقيما عن التراجم والأنساب لا للإحاطة باسهامتها الحضارية في المشهد الثقافي الكلي بل لتكريس سردية واحدة وقراءة واحدة مما ينتج عنه نفس المخرجات والنتائج في دورة مكررة وحلقة مفرغة .
لماذا يلعب الماضي هذا الدور الكبير في حياتنا؟
وهنا يبرز سؤال لا يقل أهمية عن سؤال التحقيق نفسه: لماذا يلعب الماضي هذا الدور الكبير في حياتنا العربية؟
إنها مفارقة موجعة أن تتضخم الكتابة عن الماضي في فضائنا الثقافي، بينما تظل الكتابة العلمية والمنهجية عن المستقبل محدودة الحضور. تمتلئ الرفوف بالذكريات والمذكرات والسير الذاتية وكتب التاريخ واستعادة الأمجاد والبكاء على الأطلال، فيما لا يحظى المستقبل ـ بما يستحقه من استشراف وبحث وتخطيط ـ بالمكانة نفسها في ثقافتنا.
ولعل هذا ما يجعل السؤال الذي أثاره الدكتور غازي القصيبي- عليه رحمة الله – (فيما نقله عنه الأستاذ صالح عميّر في معرض تعليقه على رواية الزهايمر للقصيبي) وهو سؤال عميق الدلالة: كيف تستطيع أمة أن تصنع مستقبلها وهي في قبضة ماضيها، يعصرها حتى يستنفد طاقاتها؟
وليس في هذا شكوى من الماضي في ذاته؛ فالأمم التي لا تعرف ماضيها تفقد ذاكرتها، ومن يفقد ذاكرته يصعب عليه أن يفهم ذاته أو يعرف الطريق الذي جاء منه.
لكن الخطر يبدأ عندما يتحول الماضي من جسر إلى المستقبل إلى سجن يمنع الوصول إليه.
وهنا تتجاوز القضية كتب التراث إلى بنية أعمق في الثقافة: هل نستخدم التاريخ لفهم مسارنا، أم نستخدمه للهروب من واقعنا؟ هل نستدعي الماضي كي يساعدنا على التفكير، أم نستدعيه كي يعفينا من عناء إنتاج أجوبة جديدة لأسئلة جديدة؟
ماذا نريد من المحقق؟
ليس من العدل أن نحمّل المحقق وحده مسؤولية ما بعد التحقيق؛ فوظيفة المحقق الأساسية هي الوصول إلى النص وضبطه وتوثيقه وفق الأصول العلمية.
لكن المشروع الثقافي الأوسع مطالب بأن يضع التحقيق داخل منظومة متكاملة.
فالمحقق يحتاج إلى الباحث الذي يقرأ النص قراءة تاريخية، والباحث يحتاج إلى الناقد الذي يفكك أفكاره، والناقد يحتاج إلى المتخصص الذي يقارنها بالمعارف الحديثة، والمؤسسة الثقافية مطالبة بتحويل هذه الجهود المتفرقة إلى مشروع معرفي متكامل.
وبذلك يصبح التحقيق حلقة في سلسلة، لا جزيرة معزولة.
من «تحقيق الكتاب» إلى «تحقيق المعرفة»
ربما نحتاج إلى إعادة النظر في مفهوم التحقيق نفسه.
فإذا كان التحقيق في معناه الفني يعني إخراج النص على أقرب صورة ممكنة إلى ما أراده مؤلفه، فإن تحقيق المعرفة يعني شيئًا أوسع: أن نضع النص في سياقه، ونفهم شروط إنتاجه، ونحدد قيمته، ونكشف حدوده، ونقارنه بما سبقه وما لحقه، ونبحث عن أثره، ونختبر صلاحية بعض أفكاره، ونستخرج منه ما يمكن أن يسهم في بناء المعرفة المعاصرة.
وهنا تتكامل علوم المخطوط مع التاريخ والفكر والاجتماع والاقتصاد واللغة والفلسفة وغيرها.
فلا يكفي أن نعرف ماذا قال صاحب الكتاب؛ بل ينبغي أن نعرف أيضًا: لماذا قاله؟ ولمن قاله؟ وفي أي سياق؟ وما الذي كان يناقشه؟ وكيف تلقاه معاصروه؟ وما الذي يمكن أن يقوله لنا اليوم؟
هذه الأسئلة هي التي تنقلنا من مجرد تحقيق النص إلى إنتاج المعرفة.
الحاضر ليس خصمًا للتراث
وقد يقع بعضنا في خطأ مقابل، حين يظن أن ربط التراث بالحاضر يعني إخضاعه بالكامل لمعايير العصر.
وهذا أيضًا غير صحيح.
فالحاضر ليس محكمة يُستدعى إليها الماضي ليُدان أو يُبرّأ، كما أن الماضي ليس محكمة يُستدعى إليها الحاضر ليُدان باسم الأسلاف.
العلاقة الأصح هي علاقة حوار معرفي.
نقرأ الماضي من موقعنا التاريخي، ونفهمه في سياقه، ثم نضعه في حوار مع أسئلتنا الراهنة. وقد نكتشف أن بعض ما حسبناه قديمًا تمامًا لا يزال يطرح سؤالًا معاصرًا، وقد نكتشف، في المقابل، أن بعض الأجوبة التي كانت مناسبة لزمانها لا يمكن نقلها إلى زماننا.
وهذا تحديدًا هو معنى القراءة النقدية.
وماذا عن المستقبل؟
ربما كان السؤال الأكثر غيابًا في كثير من مشروعات التراث هو سؤال المستقبل.
فالتراث لا ينبغي أن يكون مجرد وسيلة لاستعادة صورة ماضية عن الذات، وإنما يمكن أن يكون موردًا لبناء رؤية أكثر اتزانًا للمستقبل.
فالأمم التي تعرف تاريخها لا تستعيد الماضي لتعيش فيه، وإنما تستعيده لتفهم كيف وصلت إلى حاضرها، وكيف تشكلت أفكارها ومؤسساتها وقيمها، وكيف نجحت في بعض التجارب وأخفقت في أخرى.
ومن هنا فإن دراسة التراث ليست تمرينًا على الذاكرة فقط، وإنما يمكن أن تكون تمرينًا على الوعي التاريخي؛ والوعي التاريخي أحد شروط القدرة على صناعة المستقبل.
وإذا كان جزء كبير من طاقتنا الثقافية ينصرف إلى سؤال: ماذا كنا؟ فإن التوازن الحضاري يقتضي أن نمنح سؤالًا آخر القدر نفسه من الاهتمام: ماذا نريد أن نكون؟
فالذاكرة وحدها لا تصنع مستقبلًا، كما أن المستقبل المنقطع عن الذاكرة قد يفقد البوصلة.
والمعادلة الأكثر نضجًا هي أن نجعل الماضي ذاكرة، والحاضر معملًا، والمستقبل مشروعًا.
نحو مشروع جديد للتعامل مع التراث
نحن إذن بحاجة إلى تجاوز مرحلة جمع التراث وتحقيقه إلى مرحلة أوسع يمكن تسميتها تشغيل التراث معرفيًا.
وهذا لا يعني التوقف عن التحقيق، بل يعني أن نضع له أولويات واضحة، وأن نربطه بمشروعات بحثية أوسع.
يمكن، مثلًا، أن يُسأل قبل الشروع في تحقيق أي نص:
ما قيمته العلمية؟ وما موقعه في تاريخ الفكرة التي يناقشها؟ وهل يقدم مادة جديدة؟ وما علاقته بنصوص أخرى؟ وما الأسئلة التي يثيرها؟ وكيف يمكن أن يسهم في فهم قضية تاريخية أو فكرية أو اجتماعية؟
ثم يأتي بعد ذلك دور الدراسات التي تجعل النص جزءًا من حوار أوسع.
بهذا المعنى، يصبح لدينا مشروع يتكون من مراحل متتابعة:
العثور على النص، وتحقيقه، ودراسته، ونقده، ومقارنته، وإعادة قراءته، ثم استثمار نتائجه في إنتاج معرفة جديدة.
وهذه السلسلة هي التي تمنح التراث حياة جديدة.
وفي الختام نطرح سؤالاً منطقيا ذا حمولة منهجية ماذا بعد ؟
ماذا بعد التحقيق؟
إذا كان الجواب: لا شيء، فقد جعلنا من التحقيق نهاية الطلب وبلوغ الأرب
أما إذا كان الجواب: القراءة والنقد والمقارنة وإنتاج المعرفة وإعادة بناء الأسئلة، فقد وضعنا التحقيق في موضعه الصحيح.
إننا لا نحتاج إلى تراث أكثر حضورًا في رفوف المكتبات فقط، وإنما إلى تراث أكثر حضورًا في العقل.
ولا نحتاج إلى أن نزيد عدد الكتب التي أخرجناها من خزائن المخطوطات فحسب، بل إلى أن نزيد عدد الأسئلة التي استطاعت تلك الكتب أن تثيرها في وعينا.
فالتراث الذي لا يتجاوز حدود الماضي قد يتحول إلى ذاكرة، أما التراث الذي يدخل في حوار نقدي مع الحاضر ويفتح آفاقًا للمستقبل، فإنه يتحول إلى قوة معرفية.
ولذلك فإن القضية ليست في أن نكون مع التراث أو ضده؛ فهذه ثنائية عقيمة.
القضية أن نعرف كيف نكون معه.
أن نقرأه دون أن نسجن أنفسنا فيه، وننقده دون أن نهدمه، ونحترمه دون أن نقدسه، ونستفيد منه دون أن نستنسخه.
فربما لم يعد السؤال الحقيقي: هل نحقق التراث؟
بل أصبحت الأسئلة الأكثر إلحاحًا:
أيُّ تراث نحقق؟ ولماذا نحققه؟ وماذا سنفعل به بعد أن نحققه؟
ثم يأتي وراءها السؤال الأكبر:
كيف نجعل من تراثنا جسرًا نعبر به إلى المستقبل، بدلًا من أن يصبح جدارًا يحجب المستقبل عنا؟
وهنا تبدأ مسؤوليتنا الحقيقية تجاه التراث؛ لا بوصفه ماضيًا نفاخر به، ولا مخزنًا نستخرج منه أجوبة جاهزة لمعضلات عصرنا، وإنما بوصفه خبرة إنسانية ومعرفة تاريخية يمكن أن تساعدنا على فهم حاضرنا، وتوسيع أفق أسئلتنا، والمساهمة في تشكيل مستقبل أكثر اتساقا مع جذورنا الإجتماعية وهويتنا الثقافية .
وحتى لا نكون أسرى لجدلية الأصالة والمعاصرة أو هل نكون ماضويبن أم حداثيين فلنجعل من ذاكرتنا التاريخية منطلقا للوعي بالذات بمعنى نقف على صعيد ثابت ونحن نسأل من نحن وماذا نريد ونكرس التراث ليكون أحد محركات الوعي والتطور في آن . وحينها لن يكون التاريخ والتراث قيدا بل فيضا يحفزنا ونعبر به الى المستقبل .
نهاية المقال






