الساحل الغربي وحضرموت: سقوط الأقنعة ورهانات اللحظة الأخيرة
بقلم / أ.د خالد سالم باوزير
إن الأحداث المتسارعة في الساحل الغربي تكشف جلياً أن القوى الشمالية، بمختلف فصائلها، تتقاطع مصالحها في إبقاء الوضع على ما هو عليه.
ويبدو واضحاً أن استنزاف المملكة العربية السعودية ماليًا ولوجستياً قد تحول إلى هدف لبعض القوى للاستفادة الشخصية، دون وجود نية حقيقية لتحرير صنعاء؛ وكأن هناك تفاهمات ضمنية تحكم تلك الجبهات تجنباً لخوض معركة حاسمة.
ورغم حجم الدعم الهائل والأموال التي قدمتها السعودية والإمارات (قبل انسحاب الأخيرة) لفرض طارق صالح على الشرعية بهدف تحرير الحديدة والعاصمة صنعاء، إلا أن هذه الجهود لم تُثمر. وكان السبب الرئيس في ذلك استمرار الاختراقات وعنصر الخيانة الذي ينخر في جسد قوات الشرعية وقيادتها.
لقد كانت تلك القوات على مشارف صنعاء قبل أن تنسحب وتُسلّم الانتصارات مجاناً للجماعة الحوثية، ناهيك عن “اتفاق استكهولم” الذي منح الحوثي طوق نجاة ووصفة وقت لترتيب أوراقه وتجميع قواه.
ويتضح جلِيّاً أن الهدف المستتر لتلك القوى هو إبقاء الجنوب تحت سلطة “المركز المقدس” في صنعاء لضمان استمرار نهب الأرض وثرواتها.
وبالحديث عن أحداث الساحل الغربي، فقد حظيت قوات طارق عفاش بدعم وتسليح وإسناد كبيرين.
وكان المفترض بالشرعية إنهاء مهام هذه القيادة التي اتسمت بمواقف ضبابية، وصولاً إلى الأحداث الأخيرة. فمن ترك عمه يُقتل وهرب مُسلماً عشرات الألوية العسكرية بأسلحتها الثقيلة للحوثيين، لا يمكن الرهان عليه في إدارة معارك مصيرية.
أمّا بالانتقال إلى حضرموت، شوكة الميزان في المعادلة، فإن القراءة السياسية الحصيفة تتطلب تقييم الأخطاء السابقة؛ إذ كان من الأجدى بقوات الانتقالي تجنب المواجهة المسلحة مع “حلف قبائل حضرموت”، وعدم التوغل في الهضبة، مع وقف التصريحات المستفزة لأبناء المحافظة.
كما أن عدم الانسحاب المبكر وتجنب التنسيق الفعال وغياب غرفة عمليات مشتركة أدى إلى استنزاف لا داعي له، وكان الأولى توفير تلك الدماء الجنوبية والحضرمية لمواجهة التحديات الأكبر.
إن ما يبعث على القلق اليوم هو الوضع الأمني والعسكري في حضرموت؛ فالمحافظة ذات مساحة ممتدة وحدود طويلة، وتفتقر إلى قوة عسكرية موحدة وكافية تحميها. فنخبتها العسكرية بحاجة لتحديث وتسليح أوسع، وقوات “درع الوطن” تتجاذبها ولاءات متعددة، بينما تعاني “قوات حماية حضرموت” – ذات العقيدة الحضرمية – من إهمال متواصل وانقطاع للمرتبات لعدة أشهر دون ترتيب أوضاعها.
كما أن تغييب الشيخ بن حبريش وتوقيفه يُعد خسارة كبيرة، نظراً لإشرافه المباشر على تلك القوات وتماسكها. يُضاف إلى ذلك الخطر القائم من تواجد قوات “المنطقة العسكرية الأولى” الرابضة في الوادي والصحراء بالقرب من حقول النفط في الخشعة وغيرها، والتي لا تعبر ولاءاتها عن تطلعات حضرموت أو حتى التحالف.
لقد شكل غياب قيادة الشرعية على الأرض وفقدان السيطرة على خطوط الملاحة والمضيق القشة التي قصمت ظهر البعير، وأثبتت أن الشعارات التي ترفعها الأحزاب السياسية الشمالية بشأن تحرير صنعاء ليست سوى زيف واستغلال.
إن المخرج الوحيد أمام الحضارم اليوم هو توحيد الصفوف، وتجاوز الخلافات، والابتعاد عن المناكفات. ويظل الرهان قائماً على المملكة العربية السعودية، كحليف إستراتيجي، في إعادة تقييم سياستها وتدارك الموقف للعمل على تحييد منابع النفط والغاز، وتأمين المحافظة قبل أن تمتد إليها يد السيطرة الحوثية.
الوقت ما زال متاحاً لإنقاذ حضرموت وحفظ أمنها واستقرارها، وتفادي تكرار سيناريوهات الساحل الغربي.






