اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

حين تتوحّد البوصلة.. يصبح استعادة الدولة ممكنة

حين تتوحّد البوصلة.. يصبح استعادة الدولة ممكنة

بقلم أ/فؤاد سالم باربود

متفائل أكثر من أي وقت مضى.
قد تبدو اللحظة الراهنة، بما تحمله من تعقيدات وتغيّرات، مقلقة للبعض، وقد تثير كثيرًا من الأسئلة حول مسار المعركة الوطنية ومستقبلها، لكن قراءة المشهد من زاوية أوسع تقود إلى قناعة مختلفة: ما يحدث اليوم قد يكون فرصة حقيقية لإعادة ترتيب الصفوف، وتصحيح الاختلالات، وإعادة بناء العمل العسكري والسياسي على أسس أكثر وضوحًا وانسجامًا.
لقد دفعت معركة استعادة الدولة خلال السنوات الماضية أثمانًا كبيرة، وحققت إنجازات مهمة، لكنها في الوقت ذاته عانت من تعدد مراكز القرار، وتباين الأولويات، وتشتت الجهود، وهو ما أضعف أثر كثير من التضحيات وأطال أمد المعركة.
ولذلك فإن المرحلة القادمة تحتاج إلى شجاعة في اتخاذ القرارات، لا إلى إدارة الأزمات بالطريقة ذاتها التي أنتجتها.
المطلوب ببساطة ووضوح: جيش وطني واحد، وقرار عسكري واحد، وغرفة عمليات واحدة، وأهداف محددة، ومرجعية واضحة.
ليس من المنطقي أن تخوض القوى الوطنية معركة واحدة بعقليات متعددة، أو أن تتوزع القوة العسكرية بين قرارات ومراكز نفوذ متباينة. فالمعركة الوطنية لا يمكن أن تنتصر بتعدد الجبهات داخل المعسكر الواحد، ولا بتضارب التوجيهات، ولا بتحويل الأولويات الوطنية إلى حسابات ضيقة.
إن توحيد المؤسسة العسكرية والأمنية تحت مظلة الدولة ليس مجرد مطلب تنظيمي، بل هو جوهر المعركة نفسها. فالدولة التي نريد استعادتها لا يمكن أن تُبنى على واقع تتعدد فيه مراكز القوة والقرار؛ ولذلك فإن طريق استعادة الدولة يبدأ أيضًا من إعادة الاعتبار لمؤسساتها، وتوحيد أدواتها، وإنهاء مظاهر الانقسام داخل معسكرها.
والأمر لا يتعلق بإقصاء أحد أو إلغاء دور أي طرف، وإنما بوضع الجميع أمام قاعدة وطنية واضحة: تعدد الآراء مشروع، وتنوع القوى السياسية طبيعي، لكن القرار العسكري والسيادي يجب أن يكون للدولة.
كما أن المرحلة المقبلة تتطلب تجاوز الحسابات الصغيرة، وتقديم الهدف الوطني الجامع على كل الاعتبارات الأخرى. فليس أمام اليمنيين الذين يقفون في مواجهة الانقلاب سوى أن يدركوا أن استمرار التشتت لا يخدم إلا خصوم الدولة، وأن استنزاف الطاقات في الخلافات البينية يمنح الانقلابيين مزيدًا من الوقت والفرص.
نحن بحاجة إلى إعادة تعريف الأولويات بوضوح: استعادة الدولة، إنهاء الانقلاب، حماية الجمهورية، وترسيخ مؤسسات الدولة وسيادة القانون.
وما عدا ذلك يجب أن يأتي في مرتبته، لا أن يتحول إلى سبب لتعطيل الهدف الأكبر.
إنني أكثر تفاؤلًا اليوم، لأن أي مرحلة تعيد ترتيب الأوراق وتكشف مكامن الخلل يمكن أن تكون بداية لتحول إيجابي إذا أحسنّا التعامل معها. والتحدي الحقيقي ليس في حجم الصعوبات، وإنما في قدرتنا على تحويلها إلى فرصة لإعادة بناء الصف الوطني على قواعد أكثر صلابة.
لقد طال أمد المعركة، وتعب الناس، واستُنزفت الموارد، ودفع اليمنيون ثمنًا باهظًا من دمائهم وأمنهم واستقرارهم. ولذلك لم يعد مقبولًا أن تستمر إدارة المعركة بالأدوات ذاتها، أو أن تبقى حالة التشتت التي أرهقت الجميع دون مراجعة جادة وشجاعة.
اليمن بحاجة إلى لحظة قرار.
قرار يعيد الاعتبار للدولة، ويوحّد المؤسسة العسكرية، ويجمع القوى الوطنية حول طاولة واحدة، ويضع حدًا لتضارب الأجندات، ويجعل من استعادة الدولة الهدف الذي تنتظم حوله كل الجهود.
وعندما تتوحد البوصلة، وتتجمع القوة، ويصبح القرار واضحًا، فإن ما يبدو اليوم معقدًا ومستحيلًا يمكن أن يصبح أقرب إلى الإنجاز.
المعركة طويلة، نعم، لكنها ليست مستحيلة.
والدولة ليست حلمًا بعيدًا، متى ما امتلكنا إرادة استعادتها ووحّدنا أدوات الوصول إليها.
إنها لحظة ترتيب الصفوف، لا لحظة فقدان الأمل.
ولذلك أقولها بثقة: أنا متفائل أكثر من أي وقت مضى.

إغلاق