الشعرة التي قصمت الحوثي
( #تاربة_اليوم ) / كتابات وآراء
كتب : م. صالح بن سعيد المرزم
9 سبتمبر 2026
هناك ضربات تُقاس بعدد الصواريخ والطائرات المسيّرة، وهناك ضربات لا تُقاس بما أصابت، بل بما غيّرته من قواعد اللعبة.
والضربة الحوثية الأخيرة على المملكة العربية السعودية، في تقديري، تنتمي إلى النوع الثاني.
فالحوثي، وهو يحتفل بوصول صواريخه ومسيّراته إلى الأراضي السعودية، قد يكتشف متأخرًا أنه لم يكن يضرب المملكة بقدر ما كان يهدم آخر الجسور التي أبقته طوال السنوات الماضية داخل مساحة الاحتواء السياسي.
وهنا أقول:
قد تكون هذه هي الشعرة التي قصمت ظهر البعير.. بل الشعرة التي قصمت الحوثي نفسه
لم تكن المشكلة يومًا في قدرة السعودية.
السعودية دولة بثقل سياسي واقتصادي وعسكري وإقليمي لا يمكن مقارنته بميليشيا مسلحة، مهما راكمت الأخيرة من الصواريخ والمسيّرات ومهما تلقت من دعم خارجي.
المشكلة طوال السنوات الماضية لم تكن: هل تستطيع السعودية ضرب الحوثي؟
بل كانت: ما الثمن السياسي والإنساني والدولي للحسم؟ وما الذي سيأتي بعد الحوثي؟
ولهذا انتقلت الرياض من المواجهة المفتوحة إلى الاحتواء، ومن الاحتواء إلى التهدئة والتفاوض، ومنحت الحل السياسي فرصًا طويلة.
لكن الحوثي ارتكب الخطأ الذي ترتكبه الحركات العقائدية المسلحة عندما يطول بها البقاء: خلط الصبر بالعجز، وضبط النفس بالضعف، والبحث عن السلام بالخوف من الحرب.
وهذا خطأ استراتيجي قاتل.
الحوثي لم يفهم السعودية
قرأ الحوثي التهدئة السعودية قراءة أيديولوجية لا استراتيجية.
تصور أن توقف العمليات الواسعة اعتراف بقوة الردع التي يمتلكها، وأن المفاوضات اعتراف به كقوة لا يمكن تجاوزها، وأن المجتمع الدولي الذي أمضى سنوات يطالب بالتهدئة أصبح مظلة دائمة تحمي بقاءه.
ثم ذهب أبعد من ذلك، فتصرف وكأنه قوة إقليمية تستطيع تهديد البحر الأحمر وباب المندب والملاحة والطاقة، ثم العودة لضرب الأراضي السعودية متى شاء.
وهنا تجاوز الخط الفاصل بين ميليشيا يمنية متمردة يجري البحث عن تسوية معها وبين تهديد استراتيجي مباشر لأمن المملكة واقتصادها.
وهذا التحول بالغ الأهمية.
لأن السؤال السعودي بعد هذه الضربة قد لا يعود:
كيف نرد على الحوثي؟
بل:
كيف نضمن ألا يمتلك الحوثي القدرة على تكرارها أصلًا؟
والفرق بين السؤالين هو الفرق بين الردع واستئصال مصدر التهديد.
الرد الحقيقي ليس صاروخًا مقابل صاروخ
لهذا لا أعتقد أن الرد السعودي، إن اتُخذ قرار الحسم، ينبغي أن يُقرأ بمنطق الضربة مقابل الضربة.
فهذا النوع من الردود يستطيع الحوثي استيعابه.
تُقصف مخازن، فيعيد بناءها.
تُدمر منصات، فينقل غيرها.
يُقتل قادة، فيستبدلهم بآخرين.
ثم يعود الجميع بعد أشهر إلى نقطة البداية.
أما الرد الذي يخشاه الحوثي حقيقة فهو تغيير البيئة التي سمحت له بالبقاء.
وهنا نصل إلى جوهر المسألة.
إذا وصلت الرياض إلى قناعة بأن الحوثي أصبح خطرًا دائمًا لا يمكن التعايش معه، فإن الهدف الاستراتيجي لن يكون تدمير عدد من الصواريخ أو منصات الإطلاق، بل تفكيك منظومة الحوثي العسكرية والسياسية والأمنية التي تنتج هذا التهديد من أساسه.
وهذا لا يتحقق بالطيران وحده.
بل يحتاج إلى ضغط عسكري واستخباراتي على القدرات الصاروخية والمسيّرات ومراكز القيادة، وقطع خطوط الإمداد، والأهم: إعادة بناء الجبهات اليمنية المناهضة للحوثي وتحويل الضغط الجوي إلى تقدم بري يستعيد الأرض.
لأن هناك حقيقة أثبتتها الحرب اليمنية:
الحوثي لا يخسر عندما يُقصف فقط؛ الحوثي يخسر عندما يفقد الأرض.
الأرض هي التي صنعت الحوثي
وهذه نقطة كتبت عنها مرارًا.
العالم قد يصدر عشرات البيانات، وقد تتحدث الأمم المتحدة سنوات عن السلام والتسوية، لكنه في النهاية يتعامل مع الواقع الذي تفرضه القوة على الأرض.
والحوثي نفسه أكبر دليل.
لم يحصل على ثقله السياسي لأنه أقنع اليمنيين أو العالم بمشروعه، بل لأنه استولى على صنعاء ومؤسسات الدولة وفرض أمرًا واقعًا بالسلاح، ثم جاء المجتمع الدولي ليفاوضه باعتباره أمرًا واقعًا.
إذن، إذا كانت الأرض هي التي صنعت قوة الحوثي السياسية، فإن انتزاع الأرض منه هو الذي سيفكك تلك القوة.
ولهذا فإن المعركة الحقيقية ليست في البيانات ولا في الفنادق ولا في دهاليز الأمم المتحدة.
إنها على الأرض.
صنعاء هي مركز الثقل
ومن يسيطر على صنعاء يمتلك مركز الثقل السياسي للدولة اليمنية.
لذلك فإن أي مرحلة عسكرية جديدة تريد أن تختلف عما سبق يجب ألا تتحول إلى حرب استنزاف على الأطراف.
يجب أن يكون لها هدف سياسي وعسكري واضح:
إسقاط قدرة الحوثي على حكم صنعاء بالقوة.
فسقوط مركز السلطة الحوثية سيحدث أثرًا متسلسلًا في بقية المنظومة: القبائل ستعيد حساباتها، وشبكات المصالح ستتفكك، والأجهزة التي تعمل بالإكراه ستضعف، وستنهار أهم أسلحة الحوثي النفسية: أسطورة أنه قوة لا تُهزم.
فالميليشيات العقائدية لا تعيش بالسلاح وحده، بل تعيش كذلك على صورة القوة التي تبنيها حول نفسها.
وحين تسقط الصورة، يبدأ السقوط الحقيقي.
إيران أيضًا أمام معادلة جديدة
الحوثي ليس ظاهرة يمنية منفصلة عن الإقليم.
لقد أصبح خلال السنوات الماضية إحدى أهم أوراق النفوذ الإيراني في جنوب الجزيرة العربية والبحر الأحمر.
لكن الورقة تكون مفيدة ما دامت قابلة للاستخدام دون أن تتسبب في إحراق نفسها.
وإذا تحول الحوثي من أداة ضغط إلى مصدر تهديد مباشر ومستمر للسعودية والطاقة والملاحة الدولية، فقد يكون قد تجاوز وظيفته وأصبح عبئًا استراتيجيًا يستوجب إنهاء قدرته على التهديد.
وعندها لن تكون القضية مجرد نزاع يمني.
فحين يهدد أمن المملكة والبحر الأحمر وباب المندب والطاقة والتجارة الدولية، تتغير طبيعة المعركة وتتسع دائرة المصالح المتضررة من بقائه كقوة عسكرية منفلتة.
لكن الحسم له شرط
إذا كان القادم مرحلة مختلفة، فإن أخطر خطأ يمكن ارتكابه هو إعادة إنتاج التجربة السابقة بالأدوات نفسها.
لا يمكن خوض معركة حاسمة بقيادة يمنية مشتتة، وجبهات متنافسة، ومصالح متعارضة، وقرار سياسي موزع بين أطراف لا يجمعها سوى اسم «الشرعية».
وقد قلت مرارًا إن أزمة المعسكر المناهض للحوثي لم تكن دائمًا في نقص السلاح، بل في غياب المشروع والقيادة والقرار الموحد.
ولذلك، فإن انتزاع الحوثي من جذوره يتطلب أيضًا انتزاع الفوضى من المعسكر المقابل له:
قيادة واحدة، قرار واحد، غرفة عمليات واحدة، هدف واحد، ومشروع واضح لليوم التالي.
فإسقاط الحوثي دون تصور لما بعد الحوثي قد يعيد إنتاج الفوضى.
أما إذا اجتمع الحسم العسكري مع مشروع سياسي واضح، فهنا فقط يمكن تغيير المعادلة جذريًا.
السعودية أمام لحظة مختلفة
السعودية جربت المواجهة.
وجربت التهدئة.
ودعمت الوساطات.
ومنحت السياسة سنوات طويلة.
لكن إذا كانت النتيجة أن يعود الحوثي لضرب الأراضي السعودية وتهديد منشآتها وأمنها، يصبح السؤال مشروعًا:
إذا لم يؤدِ الاحتواء إلى تحييد الخطر، فما جدوى إبقاء مصدر الخطر قائمًا؟
ومن هنا أرى أن الرد الأكثر تأثيرًا لن يكون انتقامًا عابرًا.
فالانتقام فعل لحظي، أما الدول فتبحث عن النتيجة الاستراتيجية.
والنتيجة التي تحتاجها المملكة ليست أن يخاف الحوثي أسبوعًا أو شهرًا، وإنما الوصول إلى وضع لا يستطيع فيه بعد اليوم أن يطلق صواريخه ومسيّراته نحو المدن السعودية، ثم ينتظر جولة جديدة من المفاوضات.
الشعرة التي قصمت الحوثي
ربما اعتقد الحوثي أن ضربته الأخيرة ستثبت أنه ما زال قادرًا على الوصول إلى السعودية.
لكنه ربما لم يسأل السؤال الأهم:
ماذا لو كانت الضربة ناجحة تكتيكيًا.. لكنها كارثية استراتيجيًا؟
ماذا لو أقنعت الرياض بأن سياسة الاحتواء وصلت إلى نهايتها؟
ماذا لو وحّدت الجبهات التي كانت متفرقة؟
وماذا لو نقلت الهدف من ردع الحوثي إلى إنهاء قدرته على تشكيل تهديد دائم؟
عندها سيكون الحوثي قد وقع في أخطر أخطائه منذ دخوله صنعاء.
فالحركات المسلحة قد تنجو من عشرات ضربات خصومها، لكنها أحيانًا لا تنجو من خطأ واحد ترتكبه في اللحظة الخطأ.
ولهذا أرى أننا قد لا نكون أمام جولة جديدة من حرب قديمة، بل أمام بداية مرحلة مختلفة تمامًا.
مرحلة يصبح فيها السؤال ليس كيف يُجبر الحوثي على العودة إلى طاولة التفاوض، وإنما:
هل يمكن بعد كل ما حدث أن يبقى الحوثي محتفظًا بالسلاح والصواريخ والدولة والأرض، ثم يُطلب من المنطقة أن تتعايش معه؟
في تقديري: لا.
إما أن يعود الحوثي جماعة يمنية خاضعة للدولة والقانون، مجردة من السلاح الثقيل ومن مشروع فرض السلطة بالقوة، أو أن يصبح مشروعه العسكري نفسه هو الهدف.
وقد يكتشف الحوثي متأخرًا أن الصواريخ التي أراد بها إثبات قوته لم تكن إعلانًا عن مرحلة جديدة من انتصاره…
بل كانت إعلانًا عن بداية نهايته.
وتلك، ربما، كانت فعلًا:
الشعرة التي قصمت الحوثي.
المقالات التي يتم نشرها لاتعبر الا عن راي الكاتب فقط ولا تعبر بالضرورة عن سياسة الموقع






