أزمة المتعاقدين في حضرموت.. بين استحقاق المواطنة وتحديات السلطة
بقلم / أ. د خالد سالم باوزير
أمس كنت في زيارة خاصة لأحد الزملاء الوكلاء في ديوان المحافظة، وبينما كنت جالسًا، دخل علينا شاب إلى مكتب الوكيل يحمل ملفًا قدمه إليه طالبًا التعاقد والتوظيف. ويبدو أنه خريج جامعي، كما يعتقد الوكيل الذي تربطه بأسرة الشاب معرفة تامة.
استطعت التعرف على الشاب؛ إذ تذكرت والده الذي كان يملك تاكسي أجرة معتمدًا في مطار الريان منذ سنوات طويلة (منذ ما قبل الوحدة).
فنحن في المكلا وأحيائها لسنا أعدادًا كبيرة، بل نعرف بعضنا البعض، ووجوهنا مألوفة في المدينة، وكان أصحاب تاكسيات المطار يتميزون باللون الأصفر.
استقبل الوكيل الشاب بكلمات جميلة، وشرح له أن التوظيف متوقف، وأن المحافظة تعاني مشكلات مالية كبيرة بسبب ضخامة “جيش المتعاقدين”، متمنيًا له الحصول على فرصة في المستقبل، ومؤكدًا معرفته بأهله وإخوانه.
كان الشاب مبتسمًا، بينما ألقى الوكيل كلمات خففت عنه بعض التوتر والإحباط، وأشار الوكيل إلى أن عدد المتعاقدين في حضرموت بلغ نحو 25,000 متعاقد في قطاع التربية والمرافق الأخرى.
ربما يتساءل البعض: لماذا هذا العدد الكبير من المتعاقدين في حضرموت (الساحل والداخل)؟ والحقيقة المرة تعود للأسباب التالية:
أولًا:
بلغت سنوات خدمة بعض المتعاقدين أكثر من 15 سنة براتب تعاقدي، والبعض الآخر أقل من ذلك، نظرًا لتوقف التوظيف الرسمي منذ سنوات تسبق الأحداث والأزمة اليمنية.
ثانيًا:
يتجه معظم أبناء حضرموت نحو الوظيفة الحكومية بحثًا عن الضمان الاجتماعي والتأمين والمعاش التقاعدي.
ثالثًا:
وجود آلاف الخريجين الحضارم من الجامعات المحلية والخارجية بلا عمل، مما يضطرهم للتعاقد مع الدولة، لا سيما بعد تحرير المكلا من تنظيم القاعدة عام 2016م.
رابعًا:
حصلت سلطات المحافظة بعد التحرير على موافقات لتغطية احتياجات مرافق حضرموت من الموظفين والأيدي العاملة، خلفًا لمن بلغوا أجلين وانتقلوا للتقاعد.
خامسًا:
تم هذا التعاقد منذ عهد محافظ حضرموت الأسبق أحمد بن بريك، ومن جاء بعده المحافظ البحسني. وأعتقد أن من حق كل خريج أو خريجة (بل وحتى من لا يحمل شهادة جامعية) الحصول على فرصة عمل وتعاقد. وقد يرى البعض في ذلك “ترفًا”، بينما هو حق أصيل؛ فأين يذهب هؤلاء الشباب في بلدهم؟
سادسًا:
كان للمؤسسات العسكرية الفضل في استيعاب أعداد من الخريجين وغيرهم للالتحاق بالعمل في النخبة وغيرها، مما خفف من أعداد طالبي العمل في حضرموت..
ورغم أن الحضارم كانوا يفضلون الهجرة على العمل في الجهاز العسكري منذ سقوط السلطنات عام 1967م، حيث أحجم العديد من الشباب عن العمل في الأمن والجيش في دولة الجنوب إلا فيما ندر (حتى أُقر قانون الخدمة العسكرية الإلزامية بعد الثانوية العامة ولموظفي الدولة.
تشير الإحصاءات إلى أن عدد الحضارم في جيش ومؤسسات الجنوب، بمن فيهم المجندون عام 1990م، بلغ 6,400 فرد فقط)، فإن الظروف خلال السنوات الاثنتي عشرة الأخيرة اضطرت العديد من شباب حضرموت للالتحاق بالمؤسسات العسكرية والعسكرة بعد أن أُغلقت أمامهم أبواب الهجرة والتوظيف المدني.
ومما تقدم، لا بد للسلطة في المحافظة، ومجلس القيادة الرئاسي، والحكومة، والوزارات المختصة، من معالجة هذه الإشكالية في مستويات رواتب المتعاقدين أسوة بالمحافظات الأخرى، وخاصة المعلمين؛ حتى تُستأنف الدراسة في المدارس الحكومية، وهي القضية الأهم حاليًا والتي تؤرق كل بيت يرى أبناءه في الشوارع بلا تعليم ومدارسهم مغلقة.
إنني أطالب -من حرص شخصي وإنساني ووطني- بمعالجة هذه المشكلة بحكمة وعقلانية وهدوء، والابتعاد عن اتخاذ أي قرار بتقليص أعداد المتعاقدين بحجة “قلة الموارد المالية”؛ لأن قرارًا كهذا سيكون كارثيًا، وسيستقضي على بيوت وشباب يُلقى بهم على رصيف البطالة.
هذا قد يدفع الكثير ممن تُحسَم تعاقداتهم إلى البحث عن مصدر رزق قد يوقعهم في خطر وشباك الأعمال المحرمة كالتهريب وغيره من الأنشطة الخطرة على المجتمع.
كما نطالب السيد المحافظ (عضو مجلس القيادة) بتحمل المسؤولية، والصبر، والبحث عن موارد لتمويل الرواتب وصرفها أسوة ببقية المحافظات. والحقيقة أن الحضارم يعلنون أسماء وأرقام المتعاقدين بصدق وشفافية، بينما لا تعلن المحافظات الأخرى عن إجمالي متعاقديها.
إن فرص العمل في حضرموت محدودة جدًا؛ فلا مصانع ولا مؤسسات خاصة كافية بسبب انقطاعات الكهرباء التي جعلت المستثمرين وتجار القطاع الخاص يحجمون عن بناء المصانع التي تستوعب العمالة الشابة وتخفف عبء التوظيف عن كاهل الدولة.
آمل أن أكون قد أوضحت قضية أساسية تخص المتعاقدين من أبناء حضرموت، والله ما أنا إلا حضرمي تهمني حضرموت وأهلها وشبابها.. والسلام والاستقرار، والله من وراء القصد.






