نحن والتراث ( 1 ) في نقد تحقيق كتب التراث بمعزل عن أسئلة الحاضر والمستقبل
بقلم الدكتور / أحمد باصهي
أكاديمي وباحث في علم الإجتماع الإداري
أستميح عذرًا المفكرَ المغربي الراحل الدكتور محمد عابد الجابري ـ رحمه الله ـ في استعارة عنوانه ذي المغزى الملئ بالمعنى: «نحن والتراث»؛ ذلك العنوان الذي ظل يلحّ على وجداني، لما يحمله من قدرة على اختزال واحدة من أعقد قضايا وعينا العربي: كيف تكون علاقتنا بماضينا؟ وكيف نقرأه من موقعنا في الحاضر، لا لنقيم فيه، وإنما لنعبر به إلى المستقبل؟
وقد استهواني هذا العنوان لأجعله مدخلًا لهذه المقالة التي تحاول تفكيك شيء من الالتباس في فهمنا لأهمية ما نحرص على تحقيقه من مخطوطات وكتب التراث، عميقها وسطحيها، ولا سيما ونحن نعيش ورطة حضارية محكمة الحلقات، نبحث فيها عن كل بارقة ضوء وبقية أمل نستطيع من خلالها تجاوز حاضرنا، والعبور إلى مستقبل أكثر جدارة بأجيالنا القادمة.
ثمة علاقة ملتبسة تجمعنا بالتراث؛ علاقة لا تخلو من التقدير والاعتزاز، لكنها كثيرًا ما تتأرجح بين الاحتفاء به بوصفه ذاكرة وهوية، وبين التعامل معه بوصفه مادة معرفية ينبغي أن تُستعاد وتُقرأ وتُفحص وتُنقد. وفي قلب هذه العلاقة تبرز ظاهرة تحقيق كتب التراث وإعادة إخراجها ونشرها، وهي ظاهرة لا يمكن إنكار أهميتها في صيانة الذاكرة العلمية والثقافية للأمة، وإتاحة نصوص ظلت حبيسة الخزائن والمكتبات قرونًا.
غير أن السؤال الذي يستحق أن يُطرح اليوم ليس: هل ينبغي أن نحقق كتب التراث؟ فهذا أمر تكاد الحاجة إليه تكون بديهية في كثير من الحالات، وإنما السؤال الأعمق هو: لماذا نحقق؟ وأي تراث نحقق؟ وماذا نريد من وراء التحقيق؟ وماذا نصنع بما نحققه بعد أن يخرج إلى القارئ؟
فقد أصبح من الممكن أن نرى جهودًا علمية كبيرة تُبذل في مقابلة النسخ، وضبط النصوص، وتوثيق النقول، والتعليق على المواضع، والفهرسة، وإخراج الكتب في طبعات محققة، ثم ينتهي الأمر عند هذا الحد؛ أي عند لحظة إخراج النص من مخطوطته إلى صورته المطبوعة أو الرقمية. وهنا تبدأ المشكلة التي لا تتعلق بقيمة التحقيق في ذاته، وإنما بموقعه في المشروع المعرفي والحضاري الأوسع.
التحقيق: ضرورة علمية لا غاية نهائية
لا شك أن تحقيق التراث عمل علمي جليل. فهو يعيد إلى التداول نصوصًا قد تكون ذات قيمة في التاريخ والفكر واللغة والفقه والأدب والعلوم وغيرها، ويصحح ما أصابها من تصحيف أو تحريف، ويميز بين ما ثبت للمؤلف وما أُلحق به، ويقرب الباحث من النص في أقرب صورة ممكنة إلى أصله.
لكن قيمة التحقيق، مهما بلغت، تظل في جوهرها قيمة تمهيدية؛ إذ إن تحقيق النص ليس نهاية الرحلة، وإنما بدايتها.
فالمخطوط المحقق لا يحقق وظيفته الحضارية بمجرد أن يصبح كتابًا مطبوعًا. وظيفته الحقيقية تبدأ عندما يدخل مجال القراءة والنقد والمقارنة والتحليل، وعندما يتحول من مادة محفوظة إلى معرفة فاعلة، ومن نص مستعاد إلى سؤال جديد، ومن وثيقة تنتمي إلى الماضي إلى عنصر يسهم في بناء الوعي بالحاضر.
ولذلك فإن كثرة الكتب المحققة لا تعني بالضرورة تقدمًا في دراسة التراث، كما أن ازدياد عدد الطبعات لا يعني بالضرورة ازدياد أثر التراث في حياتنا الفكرية.
المعيار الأهم ليس: كم حققنا؟ وإنما: ماذا فهمنا؟ وماذا أضفنا؟ وماذا غيّر هذا التراث في أسئلتنا ورؤيتنا للعالم؟
التاريخ: فيضٌ حين نفكر به، وقيدٌ حين نسكن فيه
وهنا يحضرني قول العالم الحضرمي الأصل مؤسس علم الإجتماع عبدالرحمن ابن خلدون المتوفى في القاهرة ليلة السابع والعشرين من رمضان سنة 808 هجرية- عليه رحمة الله –
صاحب المشروع المؤسس في فهم العمران البشري والاجتماع الإنساني، لا بوصف التاريخ مخزنًا للحوادث والأخبار، وإنما مجالًا للفهم والتعليل والكشف عن قوانين الاجتماع والتحول.
ومن روح هذا المنظور يمكن القول إن التاريخ العظيم قد يكون فيضًا، وقد يكون قيدًا: يكون فيضًا حين نجعله معملًا للتفكير، ومادة للفهم والمقارنة واكتشاف سنن التحول؛ ويصبح قيدًا حين نحوله إلى مخزن من الأنقاض والمخلفات الفكرية التي نظل نجترها، منتظرين منها أن تحل لنا معضلات واقع لم تعرفه ولم تُنتج أصلًا للإجابة عن أسئلته.
فالاعتزاز بالتاريخ شيء، والعيش تحت سلطته شيء آخر.
وقد تحتاج الأمة، على نحو يبدو مفارقًا، إلى شيء من المسافة بينها وبين تاريخها العظيم؛ لا لكي تنساه أو تتنكر له، بل لكي لا تتحول عظمته إلى عبء على قدرتها على الإبداع. فالإفراط في استحضار التاريخ قد يضر بالحياة عندما يصبح الماضي بديلًا من الحاضر، وتتحول الذاكرة من مصدر للوعي إلى سلطة تعوق الحركة.
من استعادة النص إلى استعادة السؤال
ربما كان من أبرز وجوه الخلل في علاقتنا بالتراث أننا انشغلنا طويلًا باستعادة النص، دون أن ننشغل بالقدر نفسه باستعادة السؤال الذي أنتج النص.
فكل كتاب تراثي كبير هو، في نهاية المطاف، جواب عن أسئلة عصره. وقد تكون بعض تلك الأسئلة قد انتهت بانتهاء ظروفها التاريخية، لكن بعضها الآخر يظل حيًا، أو يتخذ صورًا جديدة في الحاضر.
إن قراءة التراث قراءة منتجة لا تعني أن نبحث فيه عن أجوبة جاهزة لمشكلاتنا المعاصرة؛ فهذا قد يقود إلى إسقاط الحاضر على الماضي، أو استدعاء الماضي ليحكم حاضرًا مختلفًا عنه في شروطه ومؤسساته ومعارفه. وإنما تعني أن نكتشف كيف كان أسلافنا يصوغون الأسئلة، وكيف كانوا يناقشون الاختلاف، ويبنون الحجج، ويعالجون قضايا الاجتماع والسياسة والاقتصاد والمعرفة والقيم.
وهنا يتحول التراث من مستودع للأجوبة إلى مصدر لتوسيع أفق الأسئلة.
وهذا فرق جوهري.
هل أصبح التحقيق غاية في ذاته؟
لا تكمن الإشكالية في التحقيق نفسه، وإنما في احتمال تحوله إلى نشاط مستقل عن المشروع المعرفي الذي يفترض أن يخدمه.
فقد يصبح همّ الباحث أن يضيف عنوانًا جديدًا إلى قائمة الكتب المحققة، أو أن يستكمل عملًا ببليوغرافيًا، أو أن يحقق نصًا لمجرد أنه لم يسبق تحقيقه، دون أن يسأل السؤال الأسبق: ما القيمة العلمية والمعرفية لهذا النص؟ وما الذي يمكن أن يضيفه إلى المعرفة الإنسانية؟ وما علاقته بالأسئلة التي تشغلنا اليوم؟
ولا يعني ذلك بحال أن قيمة الكتاب التراثي ينبغي أن تُقاس فقط بمدى صلته المباشرة بقضايا الحاضر. فالتراث لا يخضع كله لهذا المعيار الضيق؛ إذ إن بعض النصوص تكتسب أهميتها من قيمتها التاريخية أو اللغوية أو الفكرية أو الفنية، حتى لو لم تقدم جوابًا مباشرًا عن مشكلة معاصرة.
لكن الفرق كبير بين أن يكون للنص قيمة معرفية حقيقية، وبين أن يصبح التحقيق مجرد ممارسة تقنية منفصلة عن سؤال الجدوى.
إن السؤال عن الجدوى لا ينتقص من قيمة التراث، بل يحميه من أن يتحول إلى مادة متحفية.
تابعونا في الجزء الثاني الثلاثاء القادم بمشيئة الله تعالى .






