حين يجمعنا السقف وتفرّقنا الشاشات
بقلم / أ. ممدوح بن كده
السبت 5 سبتمبر 2026
لم تعد العزلة تعني أن يعيش الإنسان وحيدًا في مكان بعيد، فقد أصبحنا نعيش نوعًا جديدًا من العزلة… عزلة تحت سقف واحد!
تجلس الأسرة حول مائدة واحدة، لكن كل فرد يعيش في عالم مختلف؛ هذا منشغل بهاتفه، وذاك يتنقل بين مواقع التواصل، وآخر غارق في مقاطع لا تنتهي… حتى أصبح الحديث بين أفراد الأسرة أقل، والضحكة المشتركة أندر، واللقاءات الحقيقية مجرد لحظات عابرة.
الغريب أن الهواتف التي صُممت لتقرّب البعيد، نجحت أحيانًا في إبعاد القريب.
صرنا نعرف أخبار أشخاص لا نعرفهم، ونتابع تفاصيل حياة غرباء، ونشاركهم لحظاتهم، بينما قد لا نعرف ماذا حدث لأخينا أو أختنا أو أبنائنا خلال يومهم!
المشكلة ليست في الهاتف بحد ذاته، بل في أن يتحول من وسيلة نستخدمها إلى شيء يستخدمنا، ومن أداة للتواصل إلى حاجز يفصلنا عن أقرب الناس إلينا.
فلنرفع رؤوسنا قليلًا عن الشاشات، ولننظر إلى من يجلس بجانبنا… ربما هناك أب ينتظر حديثًا، أو أم تشتاق إلى جلسة عائلية، أو زوج يحتاج إلى كلمة، أو طفل يبحث عن اهتمام لا يمكن لأي شاشة أن تمنحه إياه.
لنضع هواتفنا جانبًا ولو لبعض الوقت، ولنستعد دفء الأسرة، ونعيد للحوار مكانته، وللضحكة حضورها، وللجلسات العائلية روحها.
فالأهل لا يحتاجون دائمًا إلى هدايا باهظة أو كلمات كبيرة؛ أحيانًا كل ما يحتاجونه هو أن نكون معهم… فعلًا، لا جسدًا فقط.
وقبل أن يصبح اجتماعنا تحت سقف واحد مجرد صورة قديمة من زمن جميل، فلننتبه إلى ما نخسره بصمت.
فأجمل اتصال في الحياة… ليس اتصال الإنترنت، بل اتصال القلوب.






