اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

ارفعوا أيديكم عن هوية حضرموت: لا جنوبية ولا شمالية… حضرموت هي حضرموت

ارفعوا أيديكم عن هوية حضرموت: لا جنوبية ولا شمالية… حضرموت هي حضرموت

( #تاربة_اليوم ) / كتابات وآراء
كتب : م. صالح بن سعيد المرزم
5 سبتمبر 2026

هناك لحظات يصبح فيها الصمت عن تزوير التاريخ مشاركةً في تزويره.

وحين تتحول المصطلحات السياسية المؤقتة إلى محاولة لمصادرة هوية شعب، وإعادة كتابة تاريخ أرض كاملة بأثر رجعي، يصبح من الواجب أن تقال الحقيقة بلا مواربة:

حضرموت ليست جنوبية الهوية.
وليست شمالية الهوية.
ولم تولد بوصفها هامشًا جغرافيًا تابعًا لعدن أو صنعاء.

حضرموت هي حضرموت.

اسمٌ عرفته الجغرافيا والتاريخ قبل أن تولد الجمهوريات الحديثة، وقبل أن تظهر حدود الشطرين، وقبل أن يسمع العالم أصلًا بمصطلحات «شمال اليمن» و«جنوب اليمن»، وقبل قيام اتحاد الجنوب العربي بقرون طويلة.

وهنا تحديدًا تقع المشكلة التي يحاول البعض الهروب منها:

إنهم يريدون قراءة آلاف السنين من تاريخ حضرموت من خلال خريطة سياسية لم يتجاوز عمر بعض مراحلها بضعة عقود.

وهذا ليس تاريخًا.

إنه إسقاط للحاضر على الماضي.

حضرموت لم يصنعها قرار سياسي في القرن العشرين

حين نقول «حضرموت»، فنحن لا نتحدث عن محافظة استُحدث اسمها بقرار إداري حديث.

نحن نتحدث عن اسم ضارب في التاريخ العربي القديم، وعن إقليم عُرف باسمه، وعن مجتمع كوّن عبر القرون شخصيته الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

ولهذا فإن السؤال الصحيح ليس:

هل حضرموت جنوبية أم شمالية؟

السؤال الصحيح هو:

متى أصبحت حضرموت أصلًا مطالبة بأن تختار بين هويتين سياسيتين أحدث منها تاريخيًا؟

إن وضع حضرموت داخل ثنائية «الشمال والجنوب» ثم مطالبتها بتحديد موقعها داخلها يشبه مطالبة التاريخ القديم بأن يحصل على إذن من خريطة رُسمت في القرن العشرين.

فالجهات تتغير بتغير النقطة التي تقيس منها.

أما حضرموت فاسم أرض.

وهنا فارق هائل بين الجغرافيا والهوية.

نعم، تقع حضرموت في جنوب الجزيرة العربية بالمعنى الجغرافي الواسع، مثلما تقع مناطق أخرى شرق الجزيرة أو غربها.

لكن كلمة «جنوب» بوصفها اتجاهًا جغرافيًا شيء، وتحويلها إلى هوية سياسية قومية ملزمة للحضارم شيء آخر تمامًا.

والجغرافيا نفسها ترفض الاختزال

انظروا إلى حضرموت على الخريطة قبل النظر إليها عبر الشعارات السياسية.

إنها فضاء واسع يمتد من بحر العرب إلى عمق الهضاب والأودية والصحراء، ويتصل تاريخيًا بطرق التجارة والهجرة والموانئ والبادية والجزيرة العربية والمحيط الهندي.

وادي حضرموت ليس امتدادًا عمرانيًا لعدن.

والمكلا ليست حيًا من أحياء عدن.

وسيوون ليست مدينة نشأت من تجربة الاتحاد السياسي في الجنوب.

وتريم وشبام والشحر ومدن حضرموت لم تنتظر القرن العشرين حتى تحصل على تعريفها.

بل إن الحضارم حملوا اسم حضرموت معهم إلى الحجاز وشرق أفريقيا والهند وإندونيسيا وماليزيا وسنغافورة، وبنوا شبكات علم وتجارة وهجرة واسعة، وظل الانتساب الحضرمي معروفًا خارج حدود الإقليم نفسه.

فكيف يصبح اسم ضارب بهذا العمق مجرد صفة فرعية داخل هوية سياسية مستحدثة؟

وثائق بريطانيا نفسها تهدم أسطورة «حضرموت جزء أصيل من دولة الجنوب العربي»

وهنا نأتي إلى المفارقة التي ينبغي أن يتوقف عندها كل من يريد قراءة التاريخ بعيدًا عن الشعارات.

في الوثائق البريطانية المتعلقة بالثلاثينيات نجد تعاملًا مباشرًا مع سلطنة القعيطي في الشحر والمكلا ومع السلطنة الكثيرية في سيوون.

بل توثق ملفات الأرشيف البريطاني اتفاقية عام 1939 بين الحكومة البريطانية والسلطان القعيطي والسلطان الكثيري، وتتعامل معهما بوصفهما سلطتين سياسيتين قائمتين لهما اتفاقاتهما وترتيباتهما الخاصة.

فأين كانت «الدولة الجنوبية الواحدة» التي يقال اليوم إن حضرموت كانت جزءًا أصيلًا منها منذ الأزل؟

لم تكن موجودة.

والوثائق البريطانية نفسها شاهدة على ذلك.

ثم جاء «اتحاد الجنوب العربي»… ولم يكن حضرموت

في النصف الثاني من القرن العشرين ظهرت مشاريع اتحادية بريطانية حول عدن والمحميات الغربية، وصولًا إلى ما عُرف باسم اتحاد الجنوب العربي.

وهنا تقع حقيقة سياسية شديدة الأهمية:

وجود مشروع سياسي اسمه اتحاد الجنوب العربي لا يعني أن كل الأرض الواقعة شرق عدن أصبحت عضوًا فيه.

حضرموت بسلطنتيها التاريخيتين لم تكن ببساطة جزءًا من ذلك الاتحاد على النحو الذي يحاول بعض الخطاب السياسي المعاصر تصويره.

وهذه النقطة وحدها تكفي لإسقاط إحدى أكبر عمليات التلاعب بالمصطلحات اليوم.

فحين يقول لك أحدهم:

«نريد استعادة دولة الجنوب السابقة».

اسأله بهدوء:

أي جنوب تقصد؟

هل تقصد اتحاد الجنوب العربي؟

إذا كان الجواب نعم، فحضرموت ليست من مكوناته التي قامت عليها تلك التجربة الاتحادية.

وإذا كنت تقصد الدولة التي نشأت في 30 نوفمبر 1967، فأنت تتحدث عن كيان سياسي آخر تشكل عند انتهاء الاستعمار البريطاني وضم أراضي لم تكن جميعها قبل ذلك دولة اتحادية واحدة.

إذن نحن أمام مرحلتين مختلفتين يجري دمجهما عمدًا في الوعي الشعبي حتى يبدو الأمر وكأن دولة واحدة ثابتة امتدت عبر التاريخ.

وهذا غير صحيح.

1967 لم يكن «عودة حضرموت إلى دولة جنوبية قديمة»

هذه واحدة من أخطر المغالطات.

عندما انتهى الوجود البريطاني سنة 1967 لم تعد حضرموت إلى دولة تاريخية اسمها «الجنوب».

بل جرت عملية إنشاء دولة جديدة ضمت عدن والكيانات والمناطق التي كانت تحت ترتيبات الحماية البريطانية المختلفة.

والدليل ليس رأيًا حضرميًا.

الدليل موجود في سجل الأمم المتحدة نفسه.

ففي 14 ديسمبر 1967 وافقت الجمعية العامة للأمم المتحدة على قبول الدولة الجديدة عضوًا تحت اسم:

People’s Republic of Southern Yemen
جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية.

أي أن الدولة التي أصبحت عضوًا في النظام الدولي بعد الاستقلال لم تدخل الأمم المتحدة باسم «دولة الجنوب العربي».

وهذه حقيقة موثقة في قرار الجمعية العامة رقم 2310 (XXII).

ثم تغير الاسم لاحقًا إلى جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية.

وهذا مهم للغاية.

لأن البعض يقوم اليوم بعملية تاريخية معكوسة:

يأخذ حدود الدولة التي تشكلت سنة 1967، ثم يُسقط عليها اسم اتحاد سابق لم تكن حضرموت أصلًا جزءًا منه، ثم يقول للحضرمي:

هذه دولتك التاريخية التي يجب أن تستعيدها!

كيف؟

بأي منطق تاريخي؟

وبأي وثيقة؟

لكن يجب ألا نقع في الفخ المقابل

التغريدة المتداولة تصيب في نقطة مهمة عندما تفضح الخلط بين اتحاد الجنوب العربي وبين الكيان الذي نشأ سنة 1967.

لكنها تقع في مشكلة أخرى إذا استُخدمت لإثبات أن النتيجة الحتمية لذلك هي أن حضرموت «يمنية منذ الأزل».

لا.

هذا أيضًا إسقاط سياسي حديث على تاريخ أقدم بكثير.

فالخطأ لا يُصحح بخطأ مقابل.

إذا كان لا يجوز استخدام تجربة «الجنوب العربي» القصيرة لمحو تاريخ حضرموت، فلا يجوز كذلك استخدام الجمهورية التي تأسست سنة 1967، أو الوحدة التي قامت سنة 1990، لإعادة تفسير آلاف السنين السابقة وكأن حضرموت لم تكن إلا فرعًا إداريًا ينتظر ظهور الدولة اليمنية الحديثة.

الدولة شيء، والهوية التاريخية شيء آخر.

والسيادة السياسية القائمة اليوم حقيقة قانونية معاصرة، لكنها لا تمنح أحدًا حق إعادة كتابة التاريخ بأثر رجعي.

حضرموت أقدم من الجمهورية… وأقدم من الاتحاد… وأقدم من الصراع كله

وهنا أصل القضية.

نحن لا نحتاج إلى اختراع تاريخ لحضرموت.

لدينا تاريخ.

ولا نحتاج إلى صناعة اسم.

لدينا اسم.

ولا نحتاج إلى استعارة هوية من عدن أو صنعاء.

لدينا هوية حضرمية.

الصراع بين «الوحدة» و«الانفصال» هو صراع سياسي حديث.

أما حضرموت فأقدم من طرفيه.

الصراع بين «الشمال» و«الجنوب» نتاج تجربة سياسية حديثة.

أما حضرموت فأقدم من هذه الثنائية نفسها.

ومن هنا فإن محاولة إجبار الحضرمي اليوم على الاختيار بين أن يكون «جنوبيًا» أو «شماليًا» هي في جوهرها مصادرة للسؤال الحضرمي الحقيقي.

لأن هناك خيارًا ثالثًا يحاول البعض منع الناس حتى من التفكير فيه:

أن يكون الحضرمي حضرميًا أولًا.

لا تجعلوا خط العرض شهادة ميلاد سياسية

قد يقول قائل:

لكن حضرموت تقع في الجنوب!

نعم، جغرافيًا.

وماذا بعد؟

هل الاتجاهات الجغرافية تمنح الهويات السياسية؟

لو اتبعنا هذا المنطق لتحولت خرائط العالم كلها إلى عبث.

الشرق والغرب والشمال والجنوب أوصاف للموقع، وليست صكوك ملكية سياسية.

والمشكلة ليست في أن يقول أحد إن حضرموت تقع جنوب الجزيرة العربية.

المشكلة تبدأ عندما تتحول كلمة «جنوب» من وصف جغرافي إلى أيديولوجيا سياسية، ثم تتحول الأيديولوجيا إلى مطالبة بالسيادة، ثم تتحول المطالبة بالسيادة إلى إنكار حق أهل حضرموت في تعريف أنفسهم بأنفسهم.

هنا يجب أن نقول:

قفوا.

الجغرافيا لا تمنحكم وكالة على حضرموت.

1967 ليس تاريخ ميلاد حضرموت

هذه العبارة ينبغي أن تُكتب بحروف كبيرة:

حضرموت لم تولد في 30 نوفمبر 1967.

ذلك تاريخ ميلاد دولة سياسية حديثة.

أما حضرموت فكانت موجودة قبلها.

وكانت سلطنتاها موجودتين قبلها.

وكانت مدنها موجودة قبلها.

وكان مجتمعها موجودًا قبلها.

وكان اسمها موجودًا قبلها بقرون وقرون.

وبالتالي لا يمكن أن يأتي كيان سياسي أحدث من حضرموت ثم يدّعي أن وجوده هو الذي منح حضرموت هويتها.

الفرع الزمني لا يستطيع أن يصبح أصلًا لما سبقه.

وحتى الأرشيف الاستعماري يفضح المفارقة

من المفيد هنا ملاحظة شيء شديد الدلالة.

الأرشيف البريطاني لم يكن يتعامل مع المنطقة دائمًا باعتبارها كتلة سياسية متجانسة.

هناك عدن.

وهناك المحميات.

وهناك سلاطين ومشيخات واتفاقيات وعلاقات حماية منفصلة.

وفي حضرموت تحديدًا نجد القعيطي والكثيري واتفاقاتهما وترتيباتهما السياسية.

بل إن وثائق الثلاثينيات البريطانية تتحدث عن الاتفاق بين السلطان القعيطي والسلطان الكثيري والحكومة البريطانية لتنظيم العلاقة بين الكيانين الحضرميين.

هذا لا يعني أن حضرموت كانت دولة قومية حديثة بحدود ومؤسسات القرن الحادي والعشرين؛ وهذه مبالغة لا نحتاج إليها أصلًا.

لكنه يعني شيئًا أهم:

أن الادعاء بوجود دولة جنوبية تاريخية واحدة كانت حضرموت جزءًا طبيعيًا غير منفصل منها لا يصمد أمام الوثائق.

30 نوفمبر 1967: استقلال من استعمار… أم تأسيس لتركيب سياسي جديد؟

يمكن الاحتفاء بخروج الاستعمار البريطاني دون تحويل ترتيبات ما بعد الاستعمار إلى نص مقدس.

فالاستقلال من الاحتلال شيء.

وشكل الدولة التي تنشأ بعده شيء آخر.

لقد ورثت دول كثيرة في العالم حدودًا وترتيبات صنعها الاستعمار أو تشكلت في لحظة خروجه.

وهذا لا يجعل كل تلك الحدود أزلية، ولا يجعل الهويات المحلية التي سبقتها خرافات.

ولذلك فإن النقاش حول حضرموت يجب ألا يبدأ من:

ماذا قررت الجبهة القومية سنة 1967؟

بل من سؤال أسبق:

من هم الحضارم؟ وما الأرض التي كوّنت شخصيتهم التاريخية؟ وما إرادتهم اليوم؟

1990 أيضًا لا يمحو ما قبله

ثم جاءت الوحدة اليمنية سنة 1990، وأعلنت الجمهورية اليمنية نتيجة اندماج الدولتين القائمتين آنذاك.

وسجلات الأمم المتحدة نفسها توثق اندماج جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية والجمهورية العربية اليمنية في دولة واحدة باسم الجمهورية اليمنية في 22 مايو 1990.

وهذا يصف الوضع القانوني للدولة.

لكنه لا يستطيع محو التاريخ السابق عليه.

تمامًا كما أن 1967 لم تستطع أن تجعل حضرموت بلا تاريخ قبلها، فإن 1990 لا تستطيع أن تجعل الهوية الحضرمية مجرد تسمية إدارية.

المسألة ليست عداءً لأحد

وهنا يجب أن نكون واضحين.

الدفاع عن الهوية الحضرمية ليس عداءً لأهل عدن.

ولا عداءً لأهل لحج.

ولا الضالع.

ولا أبين.

ولا شبوة.

ولا صنعاء.

ولا تعز.

ولا لأي شعب أو منطقة.

بل على العكس:

من يحترم هويته يجب أن يحترم هوية الآخرين.

من حق العدني أن يعتز بعدنيته.

ومن حق المهري أن يعتز بمهريته.

ومن حق أبناء أي منطقة أن يعرّفوا أنفسهم كما يريدون.

فلماذا يصبح هذا الحق محرّمًا عندما يصل الأمر إلى حضرموت؟

لماذا يُطلب من الحضرمي دائمًا أن يذيب اسمه في مشروع أكبر منه؟

مرة باسم اليمننة.

ومرة باسم الجنوبنة.

ومرة باسم الثورة.

ومرة باسم الوحدة.

ومرة باسم استعادة الدولة.

والحضارم في كل مرة هم المطلوب منهم أن يتنازلوا عن السؤال الأساسي:

ماذا تريد حضرموت؟

حضرموت ليست غنيمة جغرافية

هذه هي القضية في جوهرها.

حضرموت ليست مساحة شاسعة وثروة وساحلًا وموانئ ونفطًا يمكن لأي مشروع سياسي أن يضيفها إلى خريطته ثم يبحث بعد ذلك عن رواية تاريخية تبرر الضم.

الأرض لها أهل.

وأهلها ليسوا هامشًا في معادلة الآخرين.

ومن يريد اتحادًا مع حضرموت فليعرضه على الحضارم.

ومن يريد شراكة معها فليخاطبهم كشركاء.

ومن يريد دولة مشتركة معهم فليطلب رضاهم.

أما أن يرسم الخريطة أولًا، ثم يعلن أن الحضارم «جنوبيون بالضرورة»، ثم يعتبر اعتراضهم تمردًا على هوية فُرضت عليهم، فهذا يعيد إنتاج المشكلة نفسها التي عانت منها المنطقة منذ عقود.

تتغير الرايات.

ويبقى منطق الوصاية.

لا تستبدلوا «يمننة حضرموت» بـ«جنوبنة حضرموت»

هذه ربما أهم خلاصة يجب أن يصل إليها الحضرمي اليوم.

إذا كان الخطأ التاريخي هو إذابة حضرموت في هوية لا تعبّر عن خصوصيتها، فإن الحل ليس نقلها من هوية مفروضة إلى هوية مفروضة أخرى.

لا معنى لأن نرفض الهيمنة من صنعاء ثم نقبلها من عدن.

ولا معنى لأن نرفض مركزية الشمال ثم نصنع مركزية جنوبية جديدة.

ولا معنى أن نقول إن الحضرمي تعرض للتهميش، ثم نطالبه في اللحظة نفسها بالتخلي عن حقه في تعريف ذاته.

المشكلة ليست في اسم العاصمة.

المشكلة في مبدأ الوصاية نفسه.

حضرموت ليست ضد أحد… لكنها ليست ملكًا لأحد

وهذا هو الموقف الذي ينبغي أن يكون واضحًا أمام الجميع:

نحن لا نحتاج إلى تزوير التاريخ لنثبت حضرموت.

ولا نحتاج إلى كراهية أحد لكي نحب حضرموت.

ولا نحتاج إلى إنكار الروابط العربية والإسلامية والاجتماعية مع محيطنا.

لكننا نرفض أن تتحول هذه الروابط إلى صك ملكية سياسية.

حضرموت تستطيع أن تتعاون مع الجميع.

وتتحالف مع من يحقق أمنها ومصالحها.

وتقيم أعمق العلاقات مع محيطها العربي والخليجي.

لكن نقطة البداية يجب أن تكون:

حضرموت صاحبة الأرض، والحضارم أصحاب القرار.

وأقولها لمن يريد كتابة تاريخنا بدلًا عنا

لا تأتِ بخريطة من سنة 1967 لتشرح لي هوية أرض اسمها معروف منذ العالم القديم.

ولا تأتِ باتحاد قصير العمر لم تكن حضرموت عضوًا فيه لتقول لي إن حضرموت «جنوبية منذ الأزل».

ولا تأتِ بوحدة سنة 1990 لتخبرني أن التاريخ بدأ يوم توقيعها.

ولا تجعل نتيجة صراعات القرن العشرين مقدمةً لتفسير القرون التي سبقتها.

اقرأ التاريخ بالترتيب.

حضرموت أولًا.

ثم جاءت السلطنات والدول والتحالفات والصراعات.

ثم الاستعمار وترتيبات الحماية.

ثم الاتحادات.

ثم دولة 1967.

ثم الوحدة عام 1990.

أما أن تبدأ من الخريطة الحالية ثم ترجع إلى الوراء لإعادة تصنيع التاريخ بما يناسب مشروعك السياسي، فهذه ليست قراءة للتاريخ.

هذه محاكمة للتاريخ بخريطة الحاضر.

والخلاصة التي لن تتغير

من أراد الوحدة مع حضرموت فليأتِ إليها بالإقناع.

ومن أراد الاتحاد معها فليأتِ بالشراكة.

ومن أراد بناء مستقبل مشترك معها فليحترم إرادة أهلها.

أما لغة:

«أنتم جنوبيون شئتم أم أبيتم».

أو:

«أنتم يمنيون ولا يحق لكم حتى مناقشة هويتكم ومستقبلكم».

فكلتاهما تنطلقان من الجذر نفسه:

إنكار حق الحضرمي في أن يكون صاحب قراره.

وقد آن لهذا المنطق أن ينتهي.

حضرموت ليست فراغًا على الخريطة ينتظر من يملؤه بلونه.

وليست تركةً تتنازعها مشاريع صنعاء وعدن.

وليست ملحقًا وُلد سنة 1967.

وليست مجرد اتجاه على البوصلة.

إنها أرض لها اسمها وتاريخها ومجتمعها وذاكرتها وخصوصيتها.

ولهذا، حين يسألنا أحد:

هل حضرموت شمالية؟

نقول: لا.

هل حضرموت جنوبية؟

نقول: لا تجعلوا الاتجاه الجغرافي هوية سياسية مفروضة.

هل تاريخها يبدأ بالجمهورية اليمنية أو جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية؟

نقول: التاريخ أقدم من الجمهوريتين.

فما هي إذن؟

الجواب أبسط وأعمق من كل مشاريع القرن العشرين:

حضرموت هي حضرموت.

ومن أراد مستقبلًا معها، فليبدأ من هذه الحقيقة، لا من محاولة محوها.

المقالات التي يتم نشرها لاتعبر الا عن راي الكاتب فقط ولا تعبر بالضرورة عن سياسة الموقع

إغلاق