اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

زراعة القمح في اليمن.. كيف نعيد للمزارع حافزه ونحقق الاكتفاء؟

زراعة القمح في اليمن.. كيف نعيد للمزارع حافزه ونحقق الاكتفاء؟

بقلم: صالح عمر بازقامة
رئيس جمعية الفلاح الحضرمية
السبت 5 سبتمبر 2026

تُعد زراعة القمح من أهم القضايا المرتبطة بالأمن الغذائي في اليمن، خصوصًا في ظل الاعتماد المتزايد على الاستيراد لتغطية احتياجات السوق المحلية. ورغم ما يمتلكه اليمن من أراضٍ صالحة للزراعة، وتنوع في المناخ والبيئات الزراعية، فإن التوسع في زراعة القمح لا يزال يواجه تحديات اقتصادية وإنتاجية تجعل كثيرًا من المزارعين يتجهون نحو زراعة المحاصيل النقدية الأكثر عائدًا.

ومن هنا، فإن الحديث عن التوسع في زراعة مساحات كبيرة من القمح لا يمكن أن يتحقق بمجرد مطالبة المزارعين بزراعته، وإنما يحتاج إلى رفع الجدوى الاقتصادية للمحصول، بحيث تصبح زراعته خيارًا مجديًا ومشجعًا للمزارع.

ولتحقيق ذلك، هناك مجموعة من الإجراءات والتدخلات التي ينبغي العمل عليها بصورة متكاملة، أبرزها:

أولًا: خفض تكاليف الإنتاج

ارتفاع تكاليف الزراعة يمثل أحد أبرز التحديات أمام المزارعين، ولذلك لا بد من إدخال التقنيات الزراعية الحديثة التي تساعد على خفض النفقات ورفع الإنتاجية، ومن ذلك استخدام الطاقة البديلة، وأنظمة الري الحديثة، والتقنيات التي تسهم في ترشيد استهلاك المياه والطاقة.

ثانيًا: دعم المشتقات النفطية

لا تزال المشتقات النفطية عنصرًا أساسيًا في العملية الزراعية، سواء في تشغيل مضخات المياه أو الآليات والمعدات الزراعية. ولذلك فإن تقديم دعم مناسب للمزارعين في هذا الجانب من شأنه أن يخفف من أعباء الإنتاج ويرفع القدرة التنافسية للمنتج المحلي.

ثالثًا: دعم المدخلات الزراعية

يحتاج المزارع إلى توفير مستلزمات الإنتاج بأسعار مناسبة، بما في ذلك البذور والأسمدة والمبيدات وغيرها من المدخلات الضرورية، مع تسهيل دخولها إلى الأسواق، بما يضمن توفرها في الوقت المناسب وبأسعار يستطيع المزارع تحملها.

رابعًا: استغلال الأراضي الزراعية خارج المدن

يمتلك اليمن مساحات واسعة يمكن الاستفادة منها في التوسع الزراعي، ولا سيما في المناطق الصحراوية وشبه الصحراوية التي تتوافر فيها الظروف المناسبة للإنتاج الزراعي. ومن المهم وضع خطط لاستصلاح هذه الأراضي واستغلالها بصورة مدروسة، بما يسهم في زيادة المساحات المزروعة بالقمح والمحاصيل الاستراتيجية.

خامسًا: حماية المنتج المحلي

لا يمكن مطالبة المزارع بالتوسع في زراعة القمح ثم ترك إنتاجه يواجه منافسة غير متكافئة مع المنتجات المستوردة. ولذلك فإن حماية المنتج المحلي وتنظيم الاستيراد بما يراعي مصلحة المزارع والمستهلك معًا، يمثلان خطوة مهمة لتشجيع الإنتاج المحلي.

سادسًا: الترويج لجودة المنتج المحلي

يحتاج المنتج اليمني إلى حملة تعريفية وتسويقية تبرز جودته ومزاياه، سواء داخل السوق المحلية أو خارجيًا، متى ما توفرت الكميات والمواصفات اللازمة للتصدير. فالتسويق الجيد عنصر أساسي في نجاح أي منظومة زراعية، ولا تقل أهميته عن الإنتاج نفسه.

سابعًا: إيجاد جهة حكومية لتسويق واستلام المحصول

من الضروري التفكير في إنشاء أو تفعيل جهة حكومية مختصة تتولى استلام إنتاج القمح من المزارعين بأسعار تشجيعية ومدروسة، بما يضمن للمزارع سوقًا مستقرة لمحصوله، ثم طرحه للمستهلك بسعر مناسب.

مثل هذا الإجراء سيمنح المزارع الثقة للاستمرار في زراعة القمح، ويحد من مخاطر تقلبات الأسعار أو صعوبة تسويق المحصول بعد الحصاد.

ثامنًا: إدخال آلات الحصاد الحديثة

يمثل الحصاد مرحلة حساسة في دورة إنتاج القمح، وقد يؤدي التأخر أو استخدام الطرق التقليدية إلى فقدان جزء من المحصول أو تعرضه للتلف. ولذلك فإن توفير آلات الحصاد الحديثة والمعدات الزراعية المتخصصة سيسهم في تقليل الفاقد، وتسريع عملية الحصاد، ورفع كفاءة الإنتاج.

لا تطلبوا من المزارع التضحية وحده

إن تحقيق نهضة حقيقية في زراعة القمح يتطلب التعامل مع الموضوع باعتباره قضية أمن غذائي واستراتيجية وطنية، وليس مجرد نشاط زراعي محدود.

فالمزارع في نهاية المطاف يبحث عن مصدر دخل يؤمّن له ولأسرته حياة كريمة، ومن الطبيعي أن يتجه نحو المحاصيل التي تحقق له عائدًا أفضل إذا كانت زراعة القمح لا تغطي تكاليف إنتاجه ولا توفر له هامشًا مناسبًا من الربح.

ومن دون تدخلات متكاملة تخفض تكاليف الإنتاج، وتدعم المدخلات، وتحمي المنتج المحلي، وتضمن تسويقه بسعر عادل، سيستمر عزوف المزارعين عن زراعة القمح والتوجه نحو المحاصيل النقدية، وهذا حق طبيعي للمزارع في ظل الظروف الاقتصادية القائمة.

اليمن قادر على تحقيق المزيد

إن استمرار الاعتماد على الاستيراد، رغم توفر الإمكانيات الزراعية والظروف البيئية المناسبة في عدد من مناطق اليمن، يعني بقاء الأمن الغذائي مرتهنًا للخارج وتقلبات الأسواق العالمية.

ولهذا، فإن المسؤولية تقع على عاتق الدولة والجهات المعنية بالقطاع الزراعي لإعادة النظر في السياسات الزراعية الحالية، ووضع خطة استراتيجية واضحة لدعم زراعة القمح والمحاصيل الغذائية الأساسية، تبدأ من توفير مستلزمات الإنتاج وتنتهي بوصول المنتج إلى المستهلك بسعر مناسب.

فالاستثمار في الزراعة ليس دعمًا للمزارع وحده، بل هو استثمار في الأمن الغذائي والاقتصاد الوطني ومستقبل الأجيال القادمة.

وإذا أُحسن التخطيط، وتكاملت جهود الدولة والمزارعين والقطاع الخاص، فإن اليمن قادر على زيادة إنتاجه من القمح، وتقليص فاتورة الاستيراد، وفتح الطريق أمام منظومة زراعية أكثر استقرارًا واستدامة.

صالح عمر بازقامة
رئيس جمعية الفلاح الحضرميةك

إغلاق