القواسم المشتركة .. طريق حضرموت نحو التوافق!!
بقلم / #مطيع_بامزاحم
قبل أيام، انعقدت الجلسة التأسيسية للمجلس التنسيقي الحضرمي الأعلى، في خطوة جادة تهدف إلى جمع شمل الحضارمة بمختلف مكوناتهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية والعسكرية والأمنية، وقطاعات الشباب والمرأة وغيرها، تحت مظلة تبحث عن المشترك وتتعامل مع التعدد باعتباره مصدر قوة لا سبباً للفرقة.
ولفهم أهمية هذه الخطوة، لا بد من استحضار المسار الذي مرت به حضرموت خلال العقود الماضية، فمنذ 30 نوفمبر 1967م، حين انتهى الوجود البريطاني وتم القضاء على السلطنات وأُعلنت جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية، مروراً بإعلان الوحدة اليمنية في 22 مايو 1990م وحرب صيف 1994م، ثم أحداث 2011م وما تبعها من تحولات سياسية وأمنية، وصولاً إلى اغتيال المقدم سعد بن حبريش العليي في 2 ديسمبر 2012م، وما أعقب ذلك من تأسيس حلف قبائل حضرموت في 2013م، ثم سيطرة تنظيم القاعدة على مدينة المكلا وأجزاء واسعة من ساحل حضرموت في أبريل 2015م، وتحرير المكلا في 24 أبريل 2016م على يد قوات النخبة الحضرمية بدعم من التحالف العربي، مرت حضرموت خلال كل تلك الأحداث بمحطات تاريخية ومفصلية في غاية الخطورة والتأثير أعادت جانبا كبيرا من تشكيل مشهدها السياسي والاجتماعي والأمني والعسكري، بل وأسهمت في بروز مكونات وتيارات حضرمية متعددة لكل منها رؤيته ومشروعه وتصورات لحاضر ومستقبل حضرموت وأبنائها.
تلك المكونات والتيارات في حضرموت منها ماحمل مشروعاً جنوبياً، ومنها من تبنى مشروعاً حضرمياً، ومنها من أصر على مشروع الوحدة والبقاء ضمن إطار اليمن الكبير، ومنها ايضاً من ارتبط بمشاريع أخرى، فيما ظل بعضها متردداً بين اتجاهات متعددة فرضتها التحولات السياسية والعسكرية المتسارعة، وفي خضم ذلك كله، بقيت حضرموت هي القاسم الأكبر، وظل سؤال المستقبل يقول: كيف يمكن تحويل هذا التنوع إلى قوة حضرمية واعية وناضجة وجامعة لتقدم حضرموت ومصالح أبناءها على ماعداها من مشاريع ورؤى؟.
وللعلم وحتى تتضح الرؤية للمتابع الحضرمي وغير الحضرمي فقد شهدت حضرموت خلال العقود والسنوات الماضية محاولات متعاقبة للبحث عن إطار جامع يوحّد رؤيتها وصوتها السياسي والحقوقي على وجه الخصوص، فبدأت مبكراً مع مجلس حضرموت الأهلي ووثيقة الشهيرة “حضرموت: الرؤية والمسار” في يونيو 2011م، بالتوازي مع بروز عدد من التيارات والمكونات ذات الرؤى المختلفة، ومنها العصبة الحضرمية وجبهة مستقبل حضرموت وغيرها، ثم جاءت الهبة الشعبية الحضرمية وما أفرزته من حراك مجتمعي واسع لانظير له ولا مثال، وصولاً إلى تأسيس حلف قبائل حضرموت في 2013م، قبل أن تتوج تلك المساعي بانعقاد مؤتمر حضرموت الجامع في أبريل 2017م بوصفه إحدى أبرز محطات العمل الحضرمي الجامع، وتواصلت بعدها محاولات تنظيم وتوحيد الموقف الحضرمي عبر أطر ومكونات متعددة، من بينها مرجعية قبائل وادي حضرموت، وصولاً إلى مجلس حضرموت الوطني الذي أُعلن في 2023م، ثم المجلس التنسيقي الحضرمي الأعلى الذي أُشهر في 31 أغسطس المنصرم 2026م، في مسار طويل ومتراكم يعكس تعدد الرؤى والمشاريع الحضرمية الخالصة، لكنه يؤكد في المقابل أن مساحة القواسم المشتركة بين الحضارمة أوسع بكثير من مساحات الاختلاف، وأن توحيد الموقف حولها يظل الطريق الأكثر واقعية لبناء حضور حضرمي فاعل داخلياً وخارجياً وصوت مسموع يحمي مصالح حضرموت ويصون حقوق أبنائها وحاضر ومستقبل أجيالها.
ورغم اختلاف هذه المكونات في بعض الرؤى والوسائل، فإن بينها قواسم مشتركة واسعة، أبرزها، رفع شعار حضرموت أولاً، والعمل على حماية حقوق أبنائها، والحفاظ على أرضها وثرواتها، وتعزيز أمنها واستقرارها، وتمكين أبنائها من إدارة شؤونهم، وصون قرارها من الاستحواذ والارتهان، وبناء مستقبل يليق بمكانتها العظمية وسمعتها الطبية ومساحتها الواسعة والمتنوعة ومقدراتها الغنية، وتأثيرها الاقليمي والعالمي في الدين والتجارة والاقتصاد والحُكم، واسهاماتها المميزة في نشر الوسطية والاعتدال دون تفريط أو افراط، وتاريخها التليد والعريق الضارب في القِدم وغيرهما الكثير والكثير.
وهنا تكمن المساحة التي ينبغي أن يلتقي فيها الجميع.
فالعقل والمنطق والتجارب تقول بأنه ليس مطلوباً أن يتطابق الحضارمة في الرأي أو المشروع، فإختلاف الرؤى أمر طبيعي، بل إن التعدد يمكن أن يكون ثراءً إذا أُدير بلغة العقل والمسؤولية، لكن المطلوب الآن ألا يتحول الاختلاف إلى خصومة، أو التخندق إلى قطيعة، أو التنافس إلى تخوين وشيطنة، وألا يصبح أي مكون حضرمي عدواً لمجرد أنه لا يتبنى الرؤية ذاتها.
لقد أثبتت التجارب أن حضرموت أكبر من أي مكون، وأن مصالحها الاستراتيجية لا ينبغي أن تكون رهينة للأشخاص أو للزعامة أو للتجاذبات الآنية، ولذلك فإن المرحلة الراهنة تتطلب من الجميع الانتقال من تعدد المكونات إلى تكامل الأدوار، ومن صراع المشاريع إلى توحيد القواسم المشتركة، ومن الشعارات إلى العمل وتحقيق النتائج الإيجابية.
وحضرموت كما عرفت طوال تاريخها تتسع للجميع، لكنها في الوقت ذاته تحتاج إلى مشاريع جامعة تتعلم من أخطاء من سبقها، فلا تفرد بالرأي، ولا تعطيل للأنظمة واللوائح، ولا إسناد للمهام إلى من لا يملكون أدوات تنفيذها بالشكل الصحيح، ولا إدارة للمشاريع بعقلية الأشخاص بدلاً من المؤسسات.
إن نجاح أي مشروع حضرمي جامع لن يقاس بعدد البيانات واللقاءات، بل بما يحققه على الأرض، وما سيلمسه المواطن في حياته اليومية سياسياً واقتصادياً وأمنياً واجتماعياً وثقافياً وغيرها.
فالفرصة اليوم ليست في أن يتخلى الحضارمة عن اختلافاتهم، بل في أن يتفقوا على ما يجمعهم، ويحترم كل منهم ما يختلف فيه مع الآخر.
وإذا كانت حضرموت تتسع للجميع، فإن مستقبلها أيضاً يجب أن يُبنى بالجميع، لأن العودة إلى مربع الفراغ بعد كل هذه التجارب لن يخدم أحداً مهما علا صيته وكبر، بينما التوافق حول القواسم المشتركة قد يكون بداية حقيقية لصناعة حضرموت التي ينشدها أبناؤها والأجيال القادمة.
حفظ الله حضرموت واهلها من كل شر وجنبهم كل ومكروه وضُر، والله من وراء القصد،،
#حضرموت
#حضرموت_أولاً
#حضرموت_تجتمع
#حضرموت_على_طاولة_واحدة






