اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

الحلقة الثامنة : التنمية المستدامة ومستقبل الأجيال في حضرموت(من استهلاك الموارد إلى بناء اقتصاد الأجيال)

الحلقة الثامنة : التنمية المستدامة ومستقبل الأجيال في حضرموت(من استهلاك الموارد إلى بناء اقتصاد الأجيال)

إعداد / د.  احمد باصهي

بعد أن تناولنا في الحلقات السابقة الحكم الذاتي، والمشاركة، والعدالة، وبناء المؤسسات، نصل إلى قضية تمثل جوهر أي مشروع حقيقي لمستقبل حضرموت:

التنمية المستدامة.

فليس الهدف من إدارة حضرموت أن نمتلك موارد كثيرة، أو أن نحقق إيرادات مرتفعة في مرحلة معينة، وإنما أن نتمكن من تحويل هذه الإمكانات إلى حياة أفضل للإنسان، واقتصاد أقوى، ومؤسسات أكثر استقرارًا، ومستقبل أكثر أمانًا للأجيال القادمة.

والسؤال الذي ينبغي أن نطرحه هو:

كيف نبني تنمية لا تستهلك مستقبل حضرموت من أجل حاضرها؟

أولًا: ماذا نعني بالتنمية المستدامة؟

التنمية المستدامة لا تعني فقط حماية البيئة.

إنها مفهوم أوسع يقوم على تحقيق التوازن بين ثلاثة أبعاد رئيسية:

الاقتصاد، والمجتمع، والبيئة.

فلا معنى لنمو اقتصادي إذا بقيت البطالة والفقر مرتفعين.

ولا معنى لتنمية اجتماعية إذا دمرت الموارد الطبيعية.

ولا معنى لحماية البيئة إذا لم توفر التنمية فرصًا اقتصادية وحياة كريمة للناس.

ولهذا فإن التنمية المستدامة هي في جوهرها إدارة متوازنة للموارد والإنسان والمستقبل.

ثانيًا: الإنسان أولًا

يجب أن يكون الإنسان الحضرمي محور التنمية.

فالثروة الحقيقية ليست النفط أو الغاز أو الأسماك أو الأراضي فقط، وإنما الإنسان المتعلم والصحيح والقادر على الإنتاج والابتكار.

ولهذا فإن الاستثمار في التعليم والصحة والتدريب المهني والبحث العلمي يجب أن يكون من أولويات أي استراتيجية مستقبلية.

فكل دولار يُستثمر في الإنسان يمكن أن يتحول إلى قيمة اقتصادية واجتماعية تمتد لسنوات طويلة.

ثالثًا: التعليم أساس المستقبل

إذا أردنا بناء اقتصاد حديث في حضرموت، فلا يمكن أن نستمر في إنتاج تعليم منفصل عن احتياجات سوق العمل.

نحتاج إلى ربط التعليم بالتنمية.

نحتاج إلى مدارس وجامعات ومراكز تدريب قادرة على إعداد الشباب في مجالات مثل:

– التقنية والبرمجة.

– الطاقة المتجددة.

– الهندسة.

– الإدارة.

– الاقتصاد.

– الزراعة الحديثة.

– الصناعات البحرية.

– الخدمات اللوجستية.

– السياحة.

– المهن الفنية والتقنية.

فالاقتصاد الجديد يحتاج إلى مهارات جديدة.

رابعًا: تنويع الاقتصاد

من أهم دروس التنمية ألا يعتمد اقتصاد منطقة أو دولة على مورد واحد.

ولهذا فإن مستقبل حضرموت ينبغي أن يقوم على تنويع مصادر الدخل.

ومن القطاعات التي يمكن أن تكون جزءًا من هذا التنويع:

الزراعة، والثروة السمكية، والموانئ، والنقل البحري، والسياحة، والصناعات التحويلية، والطاقة المتجددة، والخدمات، والتقنية.

والهدف ليس التخلي عن الموارد الطبيعية، وإنما استخدام عوائدها لبناء اقتصاد قادر على الاستمرار حتى عندما تتراجع تلك الموارد.

خامسًا: الطاقة المتجددة

تملك حضرموت إمكانات طبيعية يمكن أن تجعل الطاقة الشمسية والرياح جزءًا مهمًا من مستقبلها.

فالتحول إلى الطاقة النظيفة لا يمثل فقط قضية بيئية، بل يمكن أن يكون فرصة اقتصادية لخفض تكاليف الطاقة، وتحسين الخدمات، وجذب الاستثمارات، وخلق وظائف جديدة.

ومن الممكن التفكير في مشاريع للطاقة الشمسية تخدم المدن والمناطق الريفية، إضافة إلى مشاريع أكبر مرتبطة بالصناعة وتحلية المياه.

سادسًا: المياه والتغير المناخي

المياه من أهم القضايا التي يجب أن تكون في صلب التخطيط لمستقبل حضرموت.

فالتوسع العمراني والزراعي، إلى جانب التغيرات المناخية، يفرض الحاجة إلى إدارة أكثر كفاءة للمياه.

وهذا يتطلب:

– حماية مصادر المياه.

– تحسين شبكات التوزيع.

– تقليل الهدر.

– تطوير تقنيات الري الحديثة.

– دراسة مشاريع خزن مياه الأمطار.

– الاستثمار في تحلية مياه البحر عند الحاجة.

– تعزيز الوعي بالاستخدام الرشيد للمياه.

فالماء ليس قضية خدمية فقط، بل قضية أمن وتنمية واستقرار.

سابعًا: الزراعة والثروة السمكية

يمكن أن تلعب الزراعة والثروة السمكية دورًا أكبر في اقتصاد حضرموت.

لكن ذلك يتطلب الانتقال من الأنماط التقليدية إلى الإنتاج الحديث، واستخدام التكنولوجيا، وتحسين سلاسل التوريد والتخزين والتصنيع والتسويق.

وفي قطاع الأسماك تحديدًا، يمكن الانتقال من بيع المنتج الخام إلى تطوير الصناعات المرتبطة به، بما يزيد القيمة المضافة ويوفر فرص عمل جديدة.

ثامنًا: السياحة والتراث

تمتلك حضرموت رصيدًا تاريخيًا ومعماريًا وثقافيًا يمكن أن يشكل أساسًا لصناعة سياحية مهمة.

فالمدن التاريخية، والعمارة الحضرمية، والوديان، والسواحل، والتراث الثقافي، كلها عناصر يمكن تطويرها ضمن استراتيجية سياحية متكاملة.

لكن السياحة المستدامة تعني حماية التراث والطبيعة، وعدم تحويلهما إلى مورد يُستنزف دون تخطيط.

تاسعًا: الاقتصاد الأخضر

يمكن لحضرموت أن تستفيد مستقبلًا من التحول نحو اقتصاد أكثر صداقة للبيئة.

ومن ذلك:

الطاقة النظيفة، وإعادة تدوير النفايات، وتحسين إدارة المياه، والزراعة المستدامة، والنقل الأقل استهلاكًا للطاقة.

وهذه القطاعات ليست مجرد قضايا بيئية، بل يمكن أن تتحول إلى فرص استثمار ووظائف جديدة للشباب.

عاشرًا: صندوق الأجيال

نعود هنا إلى الفكرة التي تناولناها في الحلقة الثالثة:

كيف نحافظ على جزء من ثروة اليوم للأجيال القادمة؟

يمكن دراسة إنشاء صندوق للأجيال أو صندوق سيادي، تُستثمر فيه نسبة من عوائد الموارد الطبيعية.

ويجب أن يخضع هذا الصندوق لقواعد صارمة من الشفافية والحوكمة والرقابة، بحيث لا يكون وسيلة للإنفاق السياسي قصير المدى.

فالجيل الحالي ليس المالك الوحيد للثروة الطبيعية، وإنما هو أمين عليها لصالح الأجيال القادمة.

الحادي عشر: التنمية بين المدن والأرياف

من أخطر أسباب الاختلال التنموي تركّز المشاريع في المدن الكبرى وإهمال المناطق الريفية.

ولهذا فإن التنمية المستدامة يجب أن تشمل مختلف مناطق حضرموت.

فالطريق والماء والكهرباء والمدرسة والمركز الصحي وفرصة العمل ليست امتيازات، وإنما عناصر أساسية للعدالة التنموية.

وكلما توازنت التنمية جغرافيًا، قلت الفجوات الاجتماعية والاقتصادية.

الثاني عشر: دور القطاع الخاص والمغتربين

لا يمكن للحكومة وحدها أن تمول كل مشاريع التنمية.

لذلك يجب بناء شراكة حقيقية بين:

الحكومة، والقطاع الخاص، والمجتمع المدني، والكفاءات الحضرمية في المهجر.

ويمكن للحضارم في الخارج أن يسهموا ليس فقط بالتمويل، وإنما أيضًا بالخبرة والتكنولوجيا والتدريب وربط الاقتصاد الحضرمي بالأسواق العالمية.

التنمية ليست مشروعًا قصير الأجل

من أكبر الأخطاء النظر إلى التنمية باعتبارها مجموعة مشاريع منفصلة.

التنمية الحقيقية هي منظومة متكاملة:

تعليم جيد ينتج مهارات.

المهارات تنتج اقتصادًا.

الاقتصاد يولد وظائف.

الوظائف تقلل الفقر.

المؤسسات تحمي الاقتصاد.

والشفافية تحمي الموارد.

والبيئة تحمي مستقبل الأجيال.

وهكذا ترتبط حلقات التنمية بعضها ببعض.

الخلاصة

إن حضرموت أمام فرصة تاريخية لإعادة التفكير في نموذجها التنموي.

ليس المطلوب فقط استخراج الموارد، وإنما تحويل الموارد إلى رأس مال بشري واقتصادي ومؤسسي.

وليس المطلوب فقط بناء مشاريع اليوم، وإنما بناء قدرة الأجيال القادمة على بناء مشاريعها الخاصة.

فالاستدامة تعني أن نسأل دائمًا:

ماذا سنترك لأبنائنا بعد أن نستهلك ما بين أيدينا؟

وإذا كان الحكم الرشيد هو أساس إدارة السلطة، فإن التنمية المستدامة هي أساس إدارة المستقبل.

«الثروة التي تُستهلك تنتهي، أما الثروة التي تُستثمر في الإنسان والمؤسسات والمعرفة فتتجدد عبر الأجيال.»

وفي الحلقة التاسعة سننتقل إلى عنصر شديد الأهمية في المعادلة الحضرمية:

حضارم الداخل والمهجر

كيف يمكن تحويل الانتشار الحضرمي العالمي إلى قوة معرفية واقتصادية وتنموية تخدم مستقبل حضرموت؟

إغلاق