فهمي الصهيبي.. من ساحات النضال إلى ميادين السياسة وصناعة المستقبل
بقلم | صادق العربي
في السياسة لا تُقاس قيمة الرجال بعدد المناصب التي شغلوها ولا بحجم النفوذ الذي امتلكوه وإنما بما يفعلونه عندما تكون المواقف مكلفة والخيارات صعبة والطرق الآمنة أكثر إغراءً من طريق المبدأ.
ومن هذه الزاوية يمكن قراءة تجربة المقدم الركن فهمي الصهيبي رئيس مجلس المستقبل الجنوبي بالعاصمة عدن، الذي ارتبط حضوره السياسي منذ سنوات الحراك الجنوبي بالموقف من القضية الجنوبية قبل أن ينتقل من ساحات النضال السلمي إلى الميدان العسكري ثم إلى فضاء العمل السياسي والتنظيمي.
في السنوات الأولى للحراك الجنوبي لم تكن القضية الجنوبية تحظى بالمساحة السياسية التي تحظى بها اليوم، وكانت الساحات والشوارع هي المنبر الأبرز للتعبير عن المطالب والمواقف.
وفي تلك الظروف، كان الصهيبي حاضراً في المشهد مشاركاً في الحراك السلمي ومعبراً عن موقفه تجاه القضية الجنوبية في مرحلة كان فيها مجرد إعلان الموقف يحمل الكثير من المخاطر والتحديات.
وهنا تتضح إحدى سمات تجربته..الحضور في زمن صعوبة الحضور والتمسك بالموقف عندما تكون كلفته مرتفعة.
ثم جاءت حرب 2015 لتفتح فصلاً جديداً في مسيرة الرجل.
فلم يعد الحضور مقتصراً على العمل السياسي والسلمي بل انتقل الصهيبي إلى الميدان وشارك في الدفاع عن العاصمة عدن ضمن جبهة الممدارة في واحدة من أكثر المراحل قسوة وتعقيداً في تاريخ المدينة.
كانت الحرب اختباراً مختلفاً إذ وضعت المواقف أمام الواقع، وحولت الكثير من القناعات من شعارات سياسية إلى مسؤوليات ميدانية.
ومن هنا تشكلت تجربة تجمع بين الخلفية العسكرية والحضور السياسي وهي تجربة فرضت على صاحبها لاحقاً التعامل مع مرحلة ما بعد الحرب بأدوات مختلفة.
كيف تتحول التضحيات إلى مشروع سياسي؟ وكيف تنتقل القضية من ساحات الاحتجاج إلى المؤسسات؟ وكيف يمكن للقوى الجنوبية أن تدير اختلافاتها دون أن تتحول التعددية إلى انقسام؟
هذه الأسئلة أصبحت جزءاً من المشهد الذي يتحرك فيه الصهيبي اليوم من خلال رئاسته لمجلس المستقبل الجنوبي بالعاصمة عدن حيث اتجه نشاطه نحو اللقاءات السياسية والاجتماعية والوطنية والتواصل مع مختلف الشخصيات والمكونات والدعوة إلى الحوار وتقريب وجهات النظر وتوحيد الصف الجنوبي.
ولعل واحدة من أكثر القضايا إلحاحاً في المشهد الجنوبي هي كيفية التعامل مع تعدد الرؤى والمكونات.
فالجنوب ليس صوتاً سياسياً واحداً ولا يمكن اختزال مستقبله في رؤية فرد أو مكون واحد.. لكن التعدد السياسي لا يصبح مشكلة إلا عندما يتحول إلى خصومة دائمة أو عندما يفشل المختلفون في الوصول إلى الحد الأدنى من القواسم المشتركة.
ومن هنا تأتي أهمية الدعوة إلى توحيد الصف الجنوبي ليس بمعنى إلغاء الاختلاف وإنما إدارة الاختلاف بالحوار وتحويل التنوع السياسي إلى قوة بدلاً من أن يصبح سبباً للانقسام.
وفي خضم الصراع السياسي تبقى حياة المواطن هي الاختبار الأكثر صدقاً.
فالمواطن في عدن والجنوب لا يبحث عن الخطابات وحدها.. بل يريد كهرباء مستقرة، ومياهاً، وأمناً، وطرقاً، وتعليماً، وصحة، وفرصاً لحياة كريمة.
ولهذا فإن أي مشروع سياسي يريد أن يكتسب ثقة الناس لا بد أن يجعل قضاياهم اليومية جزءاً من أولوياته وأن ينتقل من الحديث عن المستقبل إلى المساهمة في صناعة هذا المستقبل على أرض الواقع.
فالرجل الذي عرف ساحات الحراك وخبر الميدان العسكري يجد نفسه اليوم أمام ساحة أكثر تعقيداً.. ساحة السياسة والعمل المؤسسي وبناء التوافق.
وهذه الساحة لا يكفي فيها الحماس ولا تكفي فيها قوة الخطاب..بل تحتاج إلى الحكمة، والصبر، والقدرة على الاستماع وجمع المختلفين وبناء جسور التواصل وتحويل الأفكار إلى برامج ومواقف ومؤسسات.
فالماضي يمنح السياسي رصيداً لكنه لا يمنحه شيكاً مفتوحاً للمستقبل.
والمناصب قد تتغير والتحالفات قد تتبدل والمشهد السياسي قد يعيد تشكيل نفسه أكثر من مرة لكن الذي يبقى هو أثر الرجل في المراحل التي عاشها وما يضيفه في المرحلة التي يعيشها.
وبالتالي تبقى القضية الجنوبية ـ كما يراها أنصارها ـ أكبر من الأشخاص والمكونات والمناصب.
والتحدي الحقيقي أمام كل من حمل هذه القضية هو الانتقال بها من مرحلة الشعارات إلى مرحلة المشروع ومن ردود الأفعال إلى صناعة القرار ومن الانقسام إلى التوافق ومن تضحيات الماضي إلى بناء مستقبل يستحقه الناس.
ان الموقف الحقيقي لا يكتمل بمجرد الثبات عليه بل يكتمل عندما يتحول إلى عمل والعمل لا ينجح إلا حين يصبح مشروعاً يخدم الناس ويجمع المختلفين حول هدف مشترك.






