حضرموت تقول كلمتها.. من الاجتماع إلى وحدة الصف
بقلم / أ. فؤاد سالم باربود
لم يكن الاجتماع التأسيسي للمجلس التنسيقي الحضرمي الأعلى، المنعقد يوم الاثنين 31 أغسطس 2026 في مدينة المكلا عاصمة المحافظة، مجرد فعالية سياسية، بل محطة جديدة في مسار النقاش حول مستقبل حضرموت، وما يريده أبناؤها من حقوق وشراكة وحضور في صياغة مستقبل محافظتهم.
وتكمن أهمية هذه الخطوة في أنها تفتح مساحة أوسع أمام المكونات والشخصيات الحضرمية للجلوس إلى طاولة واحدة، وتبادل الرؤى، والبحث عن نقاط الالتقاء، بعيدًا عن منطق الإقصاء أو فرض الرأي أو تحويل الاختلاف السياسي إلى خصومة مجتمعية.
لقد عانت حضرموت، على مدى عقود، من تعدد الرؤى والتدخلات في قرارها، ومن صعوبة بلورة موقف حضرمي جامع. واليوم تبدو الحاجة أكثر إلحاحًا إلى استعادة الثقة بين أبنائها، وتعزيز حضورهم في كل ما يتعلق بمستقبلهم، في إطار يحترم التنوع ويصون حق الجميع في التعبير والمشاركة.
وليس المطلوب أن تتطابق المواقف، فالتعدد السياسي والاجتماعي أمر طبيعي، وإنما المطلوب أن نختلف دون أن نتخاصم، وأن نتحاور دون أن نتهم أحدًا بالخيانة، وأن نبحث عن القواسم المشتركة التي تجمع أبناء حضرموت بدلًا من التركيز على ما يفرقهم.
إن حضرموت بحاجة إلى موقف جامع لا إلى صوت واحد، وإلى شراكة لا إلى إقصاء، وإلى حوار مسؤول لا إلى صراع بين المكونات.
ومن هنا، فإن الدعوة الأهم بعد هذا الاجتماع هي أن تمتد الأيدي إلى بقية القوى والمكونات والشخصيات الحضرمية، وأن تُفتح أبواب الحوار أمام الجميع، وأن يكون المجلس التنسيقي مساحة للتقارب وتبادل الرؤى، لا عنوانًا لاستقطاب جديد.
فحضرموت لا تستطيع أن تبني مستقبلها وهي منقسمة على نفسها، ولا يمكن لأي مكون مهما كان حضوره أن يحمل وحده تطلعات مجتمع بأكمله.
من وحدة الصف إلى وحدة الموقف
والأهم من ذلك أن تنجح حضرموت في الانتقال من تعدد المواقف إلى التوافق على رؤية حضرمية واضحة تجاه الاستحقاقات السياسية القادمة.
فأي حوارات أو تسويات قادمة، سواء ما يتصل بالقضية الجنوبية أو بمسار الحل والتسوية السياسية الشاملة في اليمن، ستحتاج إلى حضور حضرمي فاعل وموقف واضح يعبر عن مصالح حضرموت وحقوق أبنائها وتطلعاتهم.
وهذا لا يعني فرض رؤية واحدة على الجميع، ولا مصادرة حق أي مكون في الاحتفاظ بموقفه، وإنما يعني أن نعمل على بناء حد أدنى من التوافق الحضرمـي حول القضايا المصيرية، بحيث تدخل حضرموت أي حوار قادم وهي تحمل رؤية واضحة، وتفاوض من موقع الشراكة، لا أن تكون موضوعًا للتفاوض بين الآخرين.
إن وحدة الصف الحضرمي اليوم ليست ترفًا سياسيًا، بل ضرورة لحماية مصالح حضرموت وتعزيز قدرتها على التأثير في مستقبلها. وكلما اقترب أبناؤها من التفاهم حول القضايا الكبرى، ازدادت قدرتهم على إيصال صوتهم وحماية حقوقهم في أي ترتيبات أو تسويات قادمة.
الحكمة أولًا
المرحلة القادمة تتطلب من الجميع قدرًا أكبر من الحكمة والمسؤولية، وأن تكون مصلحة حضرموت فوق الحسابات السياسية الضيقة.
وإذا كان اجتماع 31 أغسطس قد مثّل خطوة في طريق تنظيم الرؤية الحضرمية، فإن الخطوة الأهم هي أن يتحول هذا المسار إلى حوار حضرمي واسع، يضم الجميع، ويقود إلى تفاهمات تحفظ الحقوق، وتصون النسيج الاجتماعي، وتعزز الأمن والاستقرار، وتضع حضرموت في موقع الشريك الفاعل في صناعة مستقبلها.
حضرموت تتسع للجميع، ومستقبلها مسؤولية الجميع، ووحدتها هي الطريق الأقصر لحماية إرادة أبنائها وتحقيق تطلعاتهم.






