31 أغسطس.. حضرموت بين لحظة القرار وصناعة المصير
( #تاربة_اليوم ) / كتابات وآراء
كتب : م. صالح بن سعيد المرزم
30 اغسطس 2026
وحدة الموقف الحضرمي والعمق السعودي.. معادلة الاستقرار للمستقبل
قرنٌ من الزمن.. والنضال مستمر
ليس اجتماع 31 أغسطس 2026م مجرد موعد جديد في روزنامة اللقاءات الحضرمية، ولا ينبغي أن ينتهي إلى بيان آخر يضاف إلى أرشيف طويل من البيانات والتوصيات.
فالمرحلة التي تمر بها حضرموت والمنطقة أكبر من ذلك.
هناك تحولات سياسية وأمنية واقتصادية متسارعة، وهناك مشاريع تتنافس على رسم مستقبل المنطقة، وفي خضم ذلك كله يبقى السؤال الذي ينبغي أن يتقدم على ما عداه:
أين حضرموت من كل ما يجري؟ وماذا يريد أهلها لمستقبلهم؟
لقد دفعت حضرموت أثماناً باهظة حين كانت القرارات الكبرى المتعلقة بها تُصنع بعيداً عنها، وحين كانت الخلافات بين أبنائها تفتح المجال لغيرهم كي يتحدث باسمهم أو يحدد أولوياتهم.
ولذلك فإن اجتماع 31 أغسطس يحمل مسؤولية تتجاوز الأشخاص والمكونات.
إنها مسؤولية إعادة القرار الحضرمي إلى مركز المعادلة.
حضرموت أولاً
لا يُطلب من الحضارم أن يتطابقوا في آرائهم.
الاختلاف السياسي والاجتماعي أمر طبيعي، بل قد يكون صحياً إذا أُدير بعقلانية. ولكن هناك فارقاً كبيراً بين الاختلاف داخل البيت وبين الاختلاف على البيت نفسه.
يمكن أن يختلف الحضارم حول الوسائل، وشكل المؤسسات، وترتيب المراحل، والتحالفات السياسية، لكن يصعب تصور مشروع حضرمي جاد لا يبدأ من ثوابت واضحة:
حماية حضرموت، وصيانة أمنها واستقرارها، والحفاظ على ثرواتها وحقوق أهلها، وتمكين مجتمعها من التعبير الحر والمشروع عن خياراته ومستقبله.
هذه ليست قضية حزب أو قبيلة أو منطقة أو مكوّن.
إنها قضية أجيال.
لا تجعلوا 31 أغسطس اجتماعاً للمناصب
المشكلة التي أرهقت العمل السياسي في منطقتنا ليست قلة المؤتمرات، بل كثرة المؤتمرات التي انتهت إلى توزيع اللجان والمسميات دون أن تنتج مشروعاً قابلاً للتنفيذ.
ولهذا فإن السؤال بعد انتهاء الاجتماع يجب ألا يكون:
من أصبح رئيساً؟
ومن حصل على مقعد؟
ومن انتصر على من؟
بل:
ماذا كسبت حضرموت؟
هل خرج الاجتماع بثوابت سياسية واضحة؟
هل اتُفق على آلية للعمل المشترك؟
هل وُضع برنامج زمني لتنفيذ ما يتم الاتفاق عليه؟
هل أصبح هناك خطاب حضرمي قادر على مخاطبة الإقليم والمجتمع الدولي بلغة سياسية وقانونية مسؤولة؟
وهل جرى الاتفاق على أن القضايا المصيرية الكبرى لا يجوز أن تحتكرها مجموعة أو شخصية، وإنما يكون أهل حضرموت أنفسهم المرجعية النهائية فيها عبر آليات مشروعة ومتوافق عليها؟
إذا تحقق شيء من ذلك، فسيكون للاجتماع معنى تاريخي.
السعودية في المعادلة الحضرمية
ومن الخطأ قراءة مستقبل حضرموت بمعزل عن الجغرافيا.
فحضرموت ليست جزيرة معزولة عن محيطها، والمملكة العربية السعودية ليست بالنسبة إليها مجرد دولة مجاورة.
هناك حدود طويلة، وامتداد اجتماعي وبشري، وعلاقات اقتصادية وتجارية، وروابط تاريخية وأسرية عميقة، فضلاً عن المصالح الأمنية والاستراتيجية المشتركة التي تفرضها جغرافية جنوب الجزيرة العربية.
ومن هنا، فإن أي رؤية واقعية لمستقبل حضرموت ينبغي أن تقرأ البعد السعودي باعتباره أحد أهم عناصر الاستقرار الاستراتيجي في المعادلة الحضرمية.
فاستقرار حضرموت يخدم أمن المملكة، كما أن وجود حضرموت آمنة ومستقرة ومزدهرة يشكل عامل استقرار مهماً لجنوب الجزيرة العربية وبحر العرب والمنطقة عموماً.
ولهذا فإن العلاقة بين حضرموت والمملكة ينبغي ألا تُختزل في إدارة الأزمات، بل يمكن النظر إليها باعتبارها مساحة واسعة لبناء شراكة في الأمن والتنمية والاستثمار والبنية التحتية والطاقة والموانئ والتجارة وحماية الحدود ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة.
وهنا تحديداً يستطيع العقل السياسي الحضرمي أن ينتقل من خطاب المطالب إلى خطاب المصالح المشتركة.
الرياض بوابة مهمة للاستقرار لا ساحة للمزايدة
في البيئة الإقليمية الحالية، من الصعب بناء مشروع حضرمي مستقر إذا قام على الخصومة مع المملكة أو تجاهل مصالحها الأمنية والاستراتيجية.
وفي المقابل، فإن حضرموت المستقرة، المتماسكة اجتماعياً، والقادرة على إدارة شؤونها وحماية مصالح أهلها، يمكن أن تكون شريكاً مهماً في بناء الاستقرار الذي تسعى إليه المملكة في جوارها الجنوبي.
وهذه معادلة ينبغي التعامل معها بعقل الدولة، لا بعاطفة الشعارات:
أمن حضرموت واستقرارها مصلحة حضرمية، كما أن استقرارها مصلحة سعودية وإقليمية.
ومن هنا يمكن تأسيس علاقة استراتيجية طويلة المدى لا تقوم على التبعية ولا على الخصومة، وإنما على المصالح المتبادلة واحترام إرادة المجتمع الحضرمي وضرورات الأمن الإقليمي.
من المكلا إلى سيوون.. حضرموت واحدة
لن ينجح أي مشروع إذا تحول الساحل والوادي والهضبة والصحراء إلى جزر سياسية منفصلة.
المكلا وتريم وسيوون والشحر وشبام ودوعن والقطن وغيل باوزير ووادي العين والصحراء والهضبة ليست ملفات منفصلة.
إنها أجزاء من مجتمع واحد له تنوعه وخصوصياته المحلية، ولكن مستقبله مترابط.
ولذلك فإن أي محاولة لبناء مشروع حضرمي عبر إقصاء مكوّن أو منطقة أو قبيلة أو تيار ستكون وصفة لأزمة جديدة.
المطلوب ليس أن ينتصر طرف حضرمي على طرف حضرمي آخر.
المطلوب أن تنتصر حضرموت.
انتقلوا من رد الفعل إلى صناعة المشروع
من أهم ما تحتاجه حضرموت اليوم الانتقال من الاعتراض على مشاريع الآخرين إلى تقديم مشروع حضرمي متكامل.
مشروع يعرف ماذا يريد.
ويعرف ماذا يستطيع تحقيقه الآن.
ويعرف ماذا يؤجل إلى مرحلة لاحقة.
ويحدد علاقته بمحيطه.
ويضع تصوره للأمن والاقتصاد والثروات والإدارة والتنمية.
ويعرف كيف يخاطب الرياض ودول الخليج والمجتمع الدولي بلغة المصالح والقانون والاستقرار.
فالعالم لا يتعامل مع الأمنيات، بل مع القوى المنظمة والمشاريع الواضحة والمصالح القابلة للبناء عليها.
وحضرموت تملك من الموقع والثروة والإنسان والتاريخ ما يؤهلها لأن تكون رقماً مهماً، إذا امتلك أبناؤها أولاً رؤية مشتركة لما يريدون.
31 أغسطس.. لا تضيعوا اللحظة
قد لا يستطيع اجتماع واحد حل تراكمات عقود.
ولا ينبغي تحميله ما لا يحتمل.
لكن يستطيع المجتمعون اتخاذ القرار الأهم:
أن يبدأوا مساراً لا رجعة فيه نحو توحيد الموقف الحضرمي.
من التفرق إلى الشراكة.
ومن الأشخاص إلى المؤسسات.
ومن ردود الأفعال إلى صناعة المبادرة.
ومن البيانات إلى البرامج.
ومن انتظار ما يقرره الآخرون إلى تقديم رؤية حضرمية واضحة يمكن التفاوض حولها إقليمياً ودولياً.
فالتاريخ لا يتذكر عدد الاجتماعات، وإنما يتذكر الاجتماعات التي صنعت تحولاً.
وقد يأتي يوم ينظر فيه جيل جديد من الحضارم إلى 31 أغسطس 2026م ويسأل:
ماذا فعل المجتمعون عندما كانت حضرموت أمام مفترق طرق؟
هل قدموا أرضهم على مصالحهم؟
هل تجاوزوا صراعاتهم؟
هل وضعوا أساساً لمشروع سياسي جامع؟
وهل أحسنوا قراءة موقع حضرموت الطبيعي داخل محيطها الخليجي والسعودي؟
أم أضاعوا فرصة أخرى؟
والجواب سيكتبه ما يحدث بعد الاجتماع، لا ما يقال أثناءه.
دعاء لحضرموت
وفي هذه اللحظة التي تتجه فيها الأنظار إلى اجتماع الحضارم، يبقى الدعاء أصدق ما يُختتم به الكلام:
اللهم اجعل اجتماعهم اجتماعاً مرحوماً، وتفرقهم من بعده تفرقاً معصوماً.
اللهم إن أرادوا لحضرموت خيراً فوفقهم لكل خير، وألهمهم الرشد والحكمة، واجمع كلمتهم على ما يحفظ أرضهم وأهلهم وحقوق أجيالهم.
وإن أراد بحضرموت أحد كيداً، أو أراد أن يجعلها جسراً لمصالحه ومشاريعه على حساب أهلها، فرد كيده ولا تحقق له مراده.
اللهم إنا نستودعك حضرموت؛ أرضها وأهلها وأمنها وثرواتها وحقوقها ومستقبل أجيالها.
اللهم احفظ المملكة العربية السعودية وقيادتها وأمنها واستقرارها، ووفقها لما فيه خير الجزيرة العربية وشعوبها، واجعل الحكمة والسلام وجمع الكلمة عنواناً لما هو قادم.
اللهم وفق عقلاء حضرموت وساستها وشيوخها وشبابها لما فيه خير أرضهم وأهلهم، واحقن الدماء، واجمع الصفوف، وأبعد عنها الفتن والصراعات.
وفي 31 أغسطس، لا ينبغي أن يكون السؤال:
من انتصر داخل الاجتماع؟
بل:
هل انتصرت حضرموت؟
فإن خرج الحضارم أكثر اتحاداً، وأوضح رؤية، وأقرب إلى بناء مشروع يحفظ حقوقهم ويقيم علاقة استراتيجية راسخة مع عمقهم السعودي والخليجي، فقد تكون هذه بداية مرحلة جديدة بالفعل.
حضرموت أكبر من الأشخاص، وأبقى من المناصب، ومستقبلها يستحق أن تُقدَّم من أجله التنازلات بين أبنائها، لا التنازلات عن حقوقها.
*`المقالات التي يتم نشرها لاتعبر الا عن راي الكاتب فقط ولا تعبر بالضرورة عن سياسة الموقع`*






