وثيقة وقف من الجمعدار أبي بكر بن عوض علي الخلاقي لمسجد «حبيل الطلح» في خلاقة سنة 1280هـ
تاربة اليوم
2026-08-29 03:55:00
وثيقة وقف من الجمعدار أبي بكر بن عوض علي الخلاقي لمسجد «حبيل الطلح» في خلاقة سنة 1280هـ
الجمعة 28 اغسطس 2026 – الساعة:18:55:42
(تاربة اليوم / كتب / علي صالح الخلاقي)
وثيقة وقف من سنة 1280هـ تكشف صلة المهاجرين اليافعيين بمساجد بلادهم في الهند
الجمعدار أبو بكر الخلاقي يوقف “سَبِّت كُحَيْل” وقفاً مؤبداً لمسجد حبيل الطلح في خلاقة بيافع
وثيقة تاريخية: مهاجر يافعي من حيدر آباد يخصص عقاراً لخدمة المسجد قبل 145 عاماً
الوقف “ممنوع البيع والوراثة والرهن” .. شروط صارمة لحماية عقار مسجد حبيل الطلح بيافع
الوثيقة تؤكد استمرار صلة الاغتراب بالوطن عبر الصدقات الجارية وعمارة المساجد
أولاً: مقدمة
تأتي هذه الوثيقة ضمن سلسلة الوثائق التاريخية التي تكشف لنا جانبًا مهمًا من جوانب الحياة الاجتماعية والدينية في يافع خلال القرنين الماضيين، وتقدم صورة مشرفة عن عادات التكافل والبر والإحسان التي عُرف بها أسلافنا، ولا سيما ما يتعلق بعمارة المساجد وخدمة بيوت الله والمصالح العامة.
والوثيقة الوقف محفوظة ضمن أرشيف أسرتنا (آل سكران الخلاقي)، وهي وثيقة سليمة وواضحة وبورقة ذات لون سماوي خفيف، وقد حررها الجمعدار أبو بكر بن عوض بن علي الخلاقي سنة 1280هـ، وجعل فيها عقارًا معروفًا باسم «سَبِّت كُحَيْل»، من محارث صَوّار، وقفًا مؤبدًا على مسجد حبيل الطلح في خلاقة.
ثانياً: نص الوثيقة
الحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم
وبعد لما كان يوم الاثنين وخمس وعشرين خلت في شهر جماد آخر سنة 1280هجرية فليعلم الواقف على هذا الكتاب بأنّي تصدّقت ووقفت وسبَّلت أنا يا الجمعدار بوبك عوض علي الخلاقي في سَبِّتْ كُحَيْل المعروفة في محارث صَوَّار، الذي اشتروا لي من صالح بن محسن، للمسجد المسمى مسجد حبيل الطّلح، وقف لله سبحانه وتعالى، وطالب من الله الثواب بذلك، وذلك وقف منّي ممنوعاً لا عاد لي ولا للأصناء علي وعبدالقوي ولا لأولادهم ولا لأولاد أولادهم وان سفَلَوا فذلك لله سبحانه وتعالى محرم عن كل قريب وكل عصبة، ولا يُباع ولا يُورث ولا يرهن حتى يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين، ومن بدَّله بعد ما سمعه فإنما إثمه على الذي يبدّلونه إن الله سميع عليم، ومن حوَّل أو بدَّل أو غلب على الخط أو ما أظهروه أو لقّوا فيه زايد يا قاصر حَرَمَه الله الجنة وأدخله النار والله على ما نقول وكيل.
بحضر الشهود:
شهد بذلك عبدالله عبدالقوي بن عوض الخلاقي
شهد بذلك صالح عبدالله بن عبدالله علي العنيس الخلاقي
شهد بذلك عبدالله محمد بن محمد عبدالله الخلاقي
شهد على ذلك ناصر علي ابن علي ناصر جياش
وفي أعلى الوثيقة:
كتب وشهد على ذلك حسين بن علي بوبكر قاسم الحريري المحجبي الشرفي
وكفى بالله شهيداً
وختم الجمعدار
الواثق بالله بوبكر بن عوض علي الخلاقي
لا إله الا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم
الصلاة والسلام عليك يا محمد خير خلق واشرفهم
ثالثاُ: التعليق على الوثيقة
يكتسب صاحب هذه الوثيقة الجمعدار أبوبكر بن عوض علي الخلاقي أهمية خاصة، ليس باعتباره واقفًا ومحسنًا فحسب، وإنما لكونه واحدًا من أبناء يافع الذين هاجروا إلى الهند في القرن التاسع عشر، وانخرطوا في الحياة الاقتصادية والعسكرية والإدارية هناك، وتمكن بعضهم من الوصول إلى مراتب متقدمة.
وقد ورد اسمه ورتبته العسكرية «الجمعدار» في رسالة بعث بها من مهجره الهندي إلى أخيه عبدالقوي بن عوض بن علي الخلاقي، مؤرخة في 22 عاشور سنة 1264هـ، الموافق 21 أكتوبر 1848م. وتكشف الرسالة عن وجود عدد من الجمعدارات اليافعية في حيدر آباد في تلك الفترة، الأمر الذي يشير إلى أن هؤلاء المهاجرين لم يصلوا إلى تلك الرتب مباشرة، وإنما مروا بمراحل من العمل والخبرة والاستقرار في المهجر قبل أن يتبوأوا تلك المكانة العسكرية.
وتشير وثيقة أخرى إلى وفاة الجمعدار أبي بكر في الهند سنة 1289هـ، وإلى أن أخاه عبدالقوي بن عوض قام بتوكيل صالح عبيد الخلاقي لتمثيله في كل ما آل إليه من تركة وممتلكات أخيه في حيدر آباد.
ومن هنا تكتسب وثيقة الوقف أهمية إضافية؛ حيث تحفظ لنا جانبًا من علاقة المهاجر اليافعي ببلدته وأهله ومساجده، وتؤكد أن الاغتراب لم يكن يعني انقطاع الصلة بالوطن، بل ظل كثير من المهاجرين يحملون في وجدانهم قراهم ومساجدهم وأهاليهم، ويوجهون جانبًا من ثمار غربتهم إلى خدمة مجتمعهم الأصلي.
توضح الوثيقة أن الجمعدار أبا بكر لم يهب العقار للمسجد هبة مؤقتة، وإنما أوقفه وقفًا مؤبدًا، وجعله لله سبحانه وتعالى، طالبًا بذلك الثواب منه، فالوقف لم يكن مجرد تبرع مالي ينتهي أثره بانتهاء المناسبة، وإنما كان وسيلة لإنشاء مورد دائم يستمر نفعه ما بقي المسجد أو المصلحة التي أوقف عليها.
وقد حرص الواقف على تأكيد هذا المعنى بعبارات صريحة لا تحتمل اللبس، فقال إن الوقف «ممنوع» عنه وعن إخوته وأولادهم وأولاد أولادهم، وإنه صار لله سبحانه وتعالى، ومحرمًا على كل قريب وعصبة، ثم أكد أنه:
«لا يُباع ولا يُورث ولا يُرهن حتى يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين».
وهذه العبارة تلخص مكانة الوقف حيث يخرج من دائرة الملكية الشخصية، فلا يعود للواقف أو ورثته حق التصرف فيه بالبيع أو الرهن أو الميراث، وإنما يبقى مخصصًا للجهة التي أوقف عليها.
ومن هنا كانت كلمة «سبيل»، المتداولة في لهجة الناس إلى اليوم، تحمل معنى عميقًا؛ فالشيء الذي جُعل سبيلًا لله ليس مالًا خاصًا يمكن لأحد أن يسترده أو يتصرف فيه لمصلحته، بل مال حُبس أصله ليستمر نفعه.
ولم يكتف الجمعدار بتسجيل الوقف، وإنما أحاطه بسياج من العبارات التي تهدف إلى حماية الوثيقة والوقف معًا من العبث أو التغيير. واستشهد بالآية الكريمة:
﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
ثم شدد في الوعيد على من يحاول تغيير ما ورد في الوثيقة أو الزيادة فيه أو النقصان منه أو الاعتداء على حجيته.
وهذا يكشف لنا عن إدراك واضح لدى أهل ذلك العصر لأهمية التوثيق الكتابي في حفظ الحقوق، خصوصًا حقوق المساجد والأوقاف. فالوثيقة كانت حجة شرعية يُرجع إليها عند الحاجة، ويُحتج بها أمام الخصوم والورثة وأهل البلدة.
وقد شهد على هذا الوقف عدد من الرجال ، أولهم أحد أقربائه والبقية من رجال خلاقة نفسها، ممن كانوا معه في المهجر الهندي.
وفي أعلى الوثيقة اسم كاتبها وهو حسين بن علي بوبكر قاسم الحريري المحجبي الشرفي، وهو أحد المهاجرين من آل الحريري، وهم آل القضاء والفقه في المحجبة، حاضرة السلطنة الهرهرية.
ومن أجمل ما في الوثيقة ختم الجمعدار، وقد كتب فيه:«الواثق بالله بوبكر بن عوض علي الخلاقي».
وتحمل عبارة «الواثق بالله» دلالة وجدانية ودينية تعكس روحًا إيمانية كانت حاضرة في معاملات الناس ووثائقهم، وتضع الثقة بالله فوق كل ثقة.
كما تظهر في الوثيقة عبارات التوحيد والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وهي إضافات ذات دلالة على الثقافة الدينية التي أحاطت بالوثيقة، وعلى المكانة التي كانت تحتلها الكتابة الدينية في وثائق الأوقاف والمعاملات.
وتكشف وثيقة الجمعدار أبي بكر عن صورة جميلة من صور الصلة بين المهاجرين ومسقط رأسهم؛ فقد كان الرجل بعيدًا عن موطنه آلاف الأميال لكنه حمل في قلبه اسم قريته ومسجدها وأهله، وجعل من ماله وسيلة لخدمة المكان الذي خرج منهحيث خصص للمسجد وقفاً يظل نفعه مستمراً لصالحه حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
ومن هنا فإن نشر مثل هذه الوثائق اليوم يمثل جزءاً من الذاكرة الاجتماعية ليافع، وتكشف كيف كان المجتمع يدير بعض شؤونه، وكيف كانت الأموال تتحول إلى مصالح عامة، وكيف كان التوثيق يحفظ حقوق تلك المصالح للأجيال المتعاقبة.
إننا أمام وثيقة عمرها أكثر من قرن ونصف، لكنها ما تزال تحمل رسالة حية، أن الواقف يرحل، بينما يبقى الوقف صدقة جارية أبد الدهر.
رحم الله الجمعدار أبا بكر بن عوض بن علي الخلاقي، ورحم جميع أسلافنا الذين بذلوا من أموالهم وأملاكهم في سبيل الله، وأوقفوا للمساجد والمقابر والمصالح العامة، وجعلوا من أموالهم أبوابًا للخير يستمر نفعها بعد رحيلهم.
وكل الشكر والتقدير لكل الأسر اليافعية التي حافظت على وثائق أسلافها، ولم تتركها فريسة للضياع والنسيان؛ فهذه الأوراق القديمة هي ذاكرة مجتمعنا، وسجل قيمنا، وشهادة على مرحلة من تاريخ يافع.






