وَجَعُ الْعَطَاء.. صَرْخَةٌ فِي مِحْرَابِ التَّعْلِيم
بقلم / أ. نجلاء عبود بن عبدان
الاثنين 24 اغسطس 2026
مع كل إشراقة لعام دراسي جديد، يرتدي العالم حلة الأمل والاستبشار، بينما يرتدي المعلم صمته الثقيل، ويسير بنصف قلب ونصف خُطوة نحو ميدان العطاء، ووجعه يسبقه بألف ميل.
كيف يَهْدِي العُقُولَ نُوراً، مَنْ تَبْتَلِعُ الظَّلَامَ رُوحُهُ كُلَّ مَسَاء؟ وكيف يغرس الشغف في أرواح الصغار، وروحُه مطوقة بأسئلة الحاجة والعدم؟ يتأمل كفّيه الملطختين بغبار الطباشير، فيرى فيهما سنوات العمر التي احترقت كالشمعة ليتألق غيره، لكن الشمعة حين تحترق، لا تبحث عن ثوب جديد لابنها، ولا تقف عاجزة أمام ثمن حقيبة مدرسية يحلم بها طفلها ، ولا تخشى عجزها عن تسديد أجرة مواصلات أو توفير جرعة دواء لمريض يئن في البيت!
إنها الملحمة الصامتة التي تتكرر كل عام بلا رحمة. يقف المعلم أمام طاولته وحيداً، يحسب بقايا رمق الراتب الذي تبرّأ منه النماء، ويفكك ميزانية المعدوم؛ كيف سيقسم اللاشيء بين دفاتر أبنائه وأحذيتهم، وبين أقلامه ومستلزمات تدريسه التي يشتريها من كفاف يومه ليخط بها على السبورة حكايات النجاح؟ يقف مكتوف الكبرياء أمام نظرات أطفاله المنتظرة، يداري عجز الأب بابتسامة باهتة، ويعتصر قلبه خوفاً من غدٍ لا يحمل سوى المزيد من الديون والقهر.
يمشي بين الناس متماسكاً، يظن الجاهل أنه غني من التعفف، لكن صدره يغلي ببركان من الهموم تطبق عليه الجبال. لا أحد يلمس هذا الانكسار المتراكم خلف نبرته المرفوعة في الفصل، ولا أحد يدرك كم يناضل ليبقى منتصباً وهو يحمل على كاهله أعباءً تفوق طاقة البشر.
وحين تضيق به الأرض بما رحبت، وتغلق أمامه أبواب أهل الأرض، يلتف إلى محرابه ويرفع كفيه إلى ربّ السماء. يرسل زفراته حارة كالجمر ، ويهتف من عمق مظلوميته بدعوة تخترق الحجب: “اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي، اللهم من شقّ علينا وعلى أرزاقنا فاشقق عليه، ومن حرم أبناءنا فرحتهم فاقطع رجاءه.” يمسح دمعه بخفيّة ، ويزفر همّه في فضاء اليقين، مؤمناً أن حق من علّم الناس الخير لن يضيع عند أحكم الحاكمين.






