الفرقة الأولى طوارئ .. حصادٌ في خضم المتغيرات
بقلم / عبدالعليم سنان
ربما راهن البعض وأعلن أن العام 2025 سيكون عام الحسم العسكري وانهاء الإنقلاب الحوثي واستعادة الدولة ومؤسساتها وعاصمتها.
نعم لقد كان رهانهم صحيحًا في حينه لمن كان يدرك حقيقة الترتيبات الميدانية والاستعدادات العسكرية التي كانت تتأهب بها التشكيلات العسكرية على امتداد الجبهات في اليمن.
تداخلت العوامل الخارجية وتدخلت، وفشل الرهان مؤقتًا وله أسبابه، بينما استمرت الترتيبات والتدريبات والتجهيزات والاستعدادات على مختلف مستوياتها، إذ كانت قوات جديدة تتشكل تحت مسمى “درع الوطن” و”الطوارئ اليمنية”، بينما كانت قوات أخرى جاهزة للانطلاق كقوات المقاومة الوطنية والعمالقة الجنوبية والمناطق العسكرية والمحاور المختلفة على امتداد المسرح العملياتي وخطوط المواجهة.
شهدت اليمن حرب الخمسين يوما التي شنتها الولايات المتحدة الأمريكية على الحوثيين تحت مسمى “الفارس الخشن” أو “الراكب الخشن”، عقب تولي الرئيس دونالد ترامب الرئاسة الأمريكية، نتيجة الاستهدافات الحوثية حينها للملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، والتي شملت هجمات وضربات جوية واسعة على معسكرات الحوثيين ومقراتهم ومقدراتهم منذ 15 مارس حتى 6 مايو 2025م ..
وخلال تلك الفترة كانت التجهيزات والترتيبات العسكرية الحكومية ، بشكل شبه سري، تمضي بخطى متسارعة لاستغلال الحدث وخوض عملية خاطفة لاستعادة الدولة، كانت الفرقة الأولى طوارئ جاهزة للانطلاق في هذه المهمة الكبيرة، وفجأة وبوساطة عمانية، أعلن الرئيس ترامب وقف الضربات الجوية والتزام الحوثيين بوقف استهداف السفن والقطع العسكرية التابعة للجيش الأمريكي في البحر الأحمر، وهكذا انتهت العملية الأمريكية ووئدت المعركة الشرعية المرتقبة وانتهت آمال المراهنين وتطلعات الشعب والجيش معا، حتى إشعار آخر.
كان قائد الفرقة الأولى طوارئ اللواء/ ياسر عبدالله المعبري، قد استكمل تشكيل الفرقة الأولى، ضمن قوات الطوارئ اليمنية، بقوة نضالية ونظامية كفؤة، وعلى قدر عالٍ من المعنويات والجاهزية، ذات استعداد قوي لتَحَمُّل مسؤوليتها وتنفيذ مهامها بما من شأنه تحقيق الفرق في مسار المعركة الوطنية المقدسة التي لطالما انتظرها الناس كثيرا..
وفي حين تم احتفال الفرقة الأولى طوارئ بتخريج الدفعة الأولى استجداد وتدشين الدورات التدريبية التخصصية، إلا أنه لم يتم أي إشهار أو نشر إعلامي في حينه، وحان الوقت في شهر فبراير 2026م لتعلن الأولى طوارئ عن ذاتها بنشر حفلها وعرضها العسكري، بشكل مهيب ولافت، لاقت من خلاله تقديرًا كبيرًا، وتعالت الأصوات حينها أن انطلقوا فماذا بعد كل هذه الحشود الكبيرة والألوية الضخمة إلا صنعاء.
نعم بالضبط، كانت صنعاء هي الغاية وانهاء الانقلاب واستعادة الدولة هما على رأس تلك الأهداف، وما من وسيلة لذلك سوى خوض معركة حاسمة خاطفة، لدحر المشروع الإيراني المتمثل في الإنقلاب الحوثي، لكنها كما كان يبدو لم تحن بعد، بل ومضت بها التطورات في اتجاه آخر تماما.
كان المجلس الانتقالي الجنوبي خلال تلك الفترة وقبلها يمضي بالوضع في اتجاه متصاعد من الصراع حتى وصل به الأمر إلى انتهاج سلوك معاكس لما يجب أن يكون عليه مسار المعركة الوطنية، وفي ديسمبر 2025، حرك قواته باتجاه حضرموت والمهرة، ليعلن في 9 ديسمبر عن ما أسماه تحرير المحافظتين، ولكن ممن؟.
بعد فشل المحاولات لخروجه من المحافظات الشرقية، جاء دور قوات الطوارئ في تنفيذ المهمة وأعلنت قيادة الدولة حالة الطوارئ في البلاد، وتقدمت الفرقتان الأولى والثالثة في هجوم بري واسع تحت غطاء جوي من التحالف لاستعادة حضرموت، ونجحت المهمة.
وفي مسرح عمليات ممتد على طول ساحل حضرموت، شاركت الفرقة الأولى، ولم تتجاوز العملية ثلاثة أيام حتى تحققت السيطرة الكاملة على ساحل ووادي وصحراء حضرموت، ودخول مدينة المكلا وتأمين مطاري سيئون والريان والمؤسسات السيادية، تطورت هذه الأحداث سريعاً لتشمل العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات المجاورة، وانتهت بانهيار المجلس الانتقالي الجنوبي وإعلان حلّ نفسه وإغلاق كافة مقاره في 9 يناير 2026.
كانت الـ72 ساعة الخاطفة التي خاضتها الفرقة الأولى طوارئ في حضرموت إعلانًا عمليًا عن ولادة قوة قادرة على تنفيذ المهام وحسم الملفات الميدانية المعقدة. وفور انتهاء معركة الأيام الثلاثة، ونتيجة لما تعرضت له المعسكرات من نهب للأسلحة والذخائر خلال ديسمبر ويناير، باشرت قيادة الفرقة تنفيذ خطة إعادة انتشار واسعة لاستعادة سلاح الدولة المنهوب ومنع تهريبه أو التصرف فيه وقد نجحت في العديد من عمليات الضبط التي تم الإعلان عنها في حينه.
وبعد أن تسلمت قوات درع الوطن مناطق حضرموت الساحل والوادي والصحراء، تصدرت الفرقة الأولى طوارئ واجهة المعركة الأمنية عبر جهود استثنائية لمكافحة تهريب السلاح والمشتقات النفطية والممنوعات، بعد أن تم إعادة تموضعها وانتشارها على الخطوط الدولية وتشمل: خط العبر: الخشعة، شبوة، مأرب، الوديعة.
تمكنت النقاط المتقدمة والدوريات الأمنية للفرقة في مواجهة التقطعات، وإحباط عشرات عمليات التهريب المعقدة التي كانت تُدار عبر شبكات تخريبية تهدف إلى إمداد المليشيات الحوثية بالأسلحة والقطع المسيرة، أو إغراق المحافظات المحررة بالمخدرات والممنوعات، إلى جانب مكافحة تهريب المشتقات النفطية عبر الطرق الصحراوية بعيدا عن المسارات المحددة، وفي هذا خاضت حربا شرسة نتج عنها تأمين المناطق الخلفية الرابطة بين المحافظات الشرقية وبقية جبهات المواجهة.
لم تكن تلك الجهود المبذولة بمنأى عن الاستعدادات العسكرية والتدريب والتأهيل وتكثيف الخبرات للمنتسبين الجدد، ولم تنفصل أيضا عن العمل الإنساني، فقد واكبت التحركات العسكرية للفرقة جهود إنسانية وإغاثية ملموسة في مناطق وادي حضرموت، حيث ساهمت في توزيع المساعدات الإغاثية، وأيضا إعادة قاطرات المشتقات النفطية المضبوطة إلى مختلف مديريات الوادي ليستفيد منها المواطنون بأسعار مخفضة.
واستمرارا لجهود تأمين الخطوط الخلفية وخاصة بعد تكرار عملية الاغتيالات على خط العبر، نفذت قوات الفرقة الأولى طوارئ بتوجيهات من النيابة العامة وجهاز أمن الدولة عملية مداهمة لأحد المواقع التي كانت تعتبر وكرا للمطلوبين أمنيا، وقد عثر فيه على أسلحة ومعامل تصنيع العبوات وبعض المطلوبين، كما كثفت من انتشارها الأمني والعسكري في الصحاري المتاخمة للجوف،
وأيضا في بعض مناطق الربع الخالي وهناك تم العثور على قطع أسلحة متنوعة وأجهزة اتصالات وذخائر وممنوعات وغيرها.
هذا العمل الأمني والإنساني، إلى جانب الاستعدادات العسكرية والتأهب والجاهزية للفرقة الأولى، جعلها محل قلق وتخوف كبير لدى الانقلاب الحوثي، وهو ما عبرت عنه ميليشياته باستهداف معسكرات الفرقة في الرويك والعبر بالعديد من الصواريخ الباليستية والطيران المسير، في محاولة بائسة لخلخلة هذه القوة الناشئة، حيث كانت المليشيا تراهن على إحداث صدمة تكسر معنويات المقاتلين وتشتت جهودهم الأمنية، لكن النتيجة جاءت عكسية تمامًا؛ إذ تحولت دماء الشهداء إلى وقود جديد زاد من إصرار وعزيمة أفراد وضباط الفرقة.
عقب عمليات الاستهداف الذي مثل متغيرا حاسما كسر بعض حالة الجمود العسكري في التعامل مع الحوثيين، أطل قائد الفرقة الأولى طوارئ، اللواء ياسر عبدالله المعبري، في خطاب لمنتسبي الفرقة جسد من خلاله العقيدة العسكرية الصلبة؛ وأكد بالقول أن تلك الاستهدافات لن تزيدنا إلا قوة وصلابة، واصفاً الهجوم بأنه دليل ذعر المليشيا من جاهزية أبطال الطوارئ.
خلاصة القول
يظل من الثابت في خضم هذه المتغيرات التي شهدتها البلاد خلال الفترات السابقة، هو النجاح الذي جسدته الفرقة الأولى في معارك الحسم الداخلي، وتأمين المناطق الخلفية وتجفيف منابع التهريب، وهو ما يجعلها بحقٍ قوة لا غنى عنها في معادلة التحرير الشامل، خاصة في ظل ما تسطره القوات المسلحة خلال هذه الأيام من دروس للحوثيين على مختلف الجبهات، إذ غدا المؤسسة العسكرية أكثر توحيدا وجاهزية، وتمتلك الإجماع الشعبي والقبلي اللازم للتحرير، بل وأصبحت في اللحظات الأخيرة لبدء عملية عسكرية حاسمة وشاملة تهدف إلى تصحيح الأوضاع، واستعادة الدولة، والتوجه نحو العاصمة صنعاء، الأمر الذي أكده قائد الفرقة الأولى طوارئ في كلمته الأخيرة أمام منتسبي اللواء العاشر، معلنا أن تلك العملية ستكون حاسمة ومنضبطة وليست انتقامية، داعيا القبائل إلى سحب أولادهم من جبهات هذا المشروع الظلامي الذي حان انطماسه من طريق فجر الحرية والخلاص.






