الحضارم تفرّقوا في دول المهجر.. وزايد بن سلطان لمّ شملهم في أبوظبي
وثيقة بخط اليد تحمل توقيع الشيخ زايد بتعيين «معرّف لقبيلة الحضارم».. و«فريج الحضارم» شاهد على حضور اسمهم في ذاكرة أبوظبي
تاربة_اليوم / أبوظبي – الإمارات العربية المتحدة
19 أغسطس 2026م
تفرّق الحضارم على مدى عقود من حضرموت إلى مناطق مختلفة من الجزيرة العربية، وصولًا إلى دول المهجر في أفريقيا وآسيا، حتى أصبحت أبوظبي محطة فارقة في حكاية أجيال منهم، مع تولي المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، حكم الإمارة عام 1966م.
ومع ما عُرف عن الشيخ زايد من شهامة وحكمة وترحيب بالناس، أخذ صيته ينتقل بين الحضارم، ولا سيما الموجودين في مناطق مختلفة من الجزيرة العربية، فتوجه بعضهم إلى أبوظبي، ثم لحق بهم آخرون من حضرموت، لتبدأ نواة حضور حضرمي أخذ يتسع عامًا بعد آخر.
وفي 2 ديسمبر 1971م قامت دولة الإمارات العربية المتحدة، واتسعت معها مسيرة البناء والتنمية وفرص العمل والخدمات والتعليم، كما فتحت جهود محو الأمية وتعليم الكبار أبوابًا لمن فاتهم التعليم؛ فأصبحت الدولة الجديدة بالنسبة إلى كثير من الأسر فرصة للاستقرار وبناء مستقبل أفضل لأبنائها.
ثم جاء عام 1974م بمحطة ذات دلالة خاصة في تاريخ حضور الحضارم في أبوظبي؛ إذ صدر توجيه بتعيين معرّف لقبيلة الحضارم.
وتحمل الوثيقة، المكتوبة بخط اليد، توقيع *الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة*، وجاء في الخطاب الموجه إلى وزير الداخلية:
*«سمو الولد الشيخ مبارك بن محمد آل نهيان المحترم،*
*تحية طيبة وبعد،*
*لقد تقرر أن يكون السيد صالح محمد بن حمودش العمر معرّفًا لقبيلة الحضارم، لذا نأمر باتخاذ الإجراءات اللازمة بشأن ذلك.*
*تقبلوا تحياتنا».*
ويروي د. علي سالمين بادعام الهميمي، مؤسس ورئيس الاتحاد العالمي للمهاجرين الحضارم، أنه رأى الوثيقة للمرة الأولى مؤخرًا، بعدما ظل يسمع عنها وعن «معرّف الحضارم» من والده، رحمه الله، ومن كبار السن، لتصبح اليوم أمامه شاهدًا مكتوبًا على حكاية تناقلتها الأجيال.
وتكتسب الوثيقة دلالتها أيضًا من ورود عبارة «قبيلة الحضارم» فيها صراحة؛ فالاسم الذي حمله الحضارم معهم رغم تفرقهم بين البلدان، أصبح حاضرًا في وثيقة تحمل توقيع الشيخ زايد.
*من دول المهجر.. إلى أبوظبي*
ومع ترسخ وجود الحضارم، توافد عدد كبير منهم إلى أبوظبي من حضرموت ومناطق مختلفة من الجزيرة العربية، ومن أسر كانت قد استقرت سنوات طويلة في دول المهجر بأفريقيا وآسيا. وكان من بينهم من ترك حياة بناها هناك وانتقل بأسرته وأبنائه إلى أبوظبي، لما بلغه عما وجده من سبقه فيها من استقرار وفرص لحياة جديدة.
وهكذا التقت في أبوظبي أسر حضرمية جاءت من جهات مختلفة، بعد أن فرّقتها الهجرة بين البلدان.
*رجال حفظتهم ذاكرة الحضارم*
وبقيت من تلك المرحلة أسماء تناقل الحضارم ذكرها بالخير، وفي مقدمتها *الشيخ بخيت بن مطلق الراشدي «الدهيمي»، والشيخ سالم بن مسلم بن حم العامري*، اللذان ارتبط اسماهما في الذاكرة المتوارثة بأبوظبي القديمة وبالقرب من الشيخ زايد ومرافقته.
ويرى الهميمي أن الوفاء يقتضي حفظ ذكر هؤلاء الرجال وتعريف الأجيال الجديدة بهم؛ تقديرًا لمن بقيت مواقفهم مع الآباء والأجداد حاضرة في الذاكرة.
*«فريج الحضارم».. حين حمل المكان اسمهم*
ولم يبق اسم الحضارم في الوثيقة وحدها؛ فمع استقرار أسرهم واتساع حضورهم، عُرف في أبوظبي «فريج الحضارم»، وبقي اسمه حاضرًا لدى من عرفوا أبوظبي القديمة، بما تحمله تلك المرحلة من حكايات الجيرة والمجالس وترابط الناس.
ومع مرور السنوات، حصل كثير من الحضارم الذين وصلوا إلى أبوظبي قبل قيام الاتحاد وبعده على جنسية الدولة، وأصبحوا مواطنين إماراتيين وجزءًا أصيلًا من نسيج المجتمع، فيما بقي جزء قليل يحمل بطاقات التعريف القديمة بتسمية «أبناء القبائل»، ولا تزال بعض الأسر تحتفظ بها حتى اليوم.
ولم يكن حضور الحضارم في أبوظبي بداية قصتهم مع الاغتراب؛ فقد عُرفوا منذ أجيال في مهاجر عديدة بالأمانة وحسن المعاملة، وبنشاطهم في ميادين العمل والتجارة وخدمة المجتمعات التي استقروا فيها، كما كان لهم دور بارز في نشر الإسلام والتعريف بتعاليمه وقيمه في عدد من بلدان المهجر، ولا سيما في شرق آسيا وأفريقيا، من خلال الدعوة بالحكمة وحسن الخلق والمعاملة.
وفي الإمارات وجدوا التقدير والاستقرار، وتعاقبت أجيالهم، حتى أصبح كثير منهم اليوم من أبناء الوطن، يشاركون إخوانهم أبناء الإمارات مسيرة البناء والعطاء، ويحملون لهذه الأرض وقيادتها الولاء والوفاء، ويتمسكون باحترام قوانينها والمحافظة على أمنها واستقرارها.
وما بدأ في عهد المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، امتد في عهد المغفور له الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رحمه الله، ويتواصل اليوم في ظل قيادة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله؛ لتبقى علاقة الحضارم بالإمارات ممتدة عبر الأجيال، عنوانها الاستقرار والانتماء والوفاء.
*ويلخص الهميمي هذه الحكاية بقوله:*
«خير زايد وصل إلى أهلنا قبل أن يصل إلينا، ونحن عرفناه من آبائنا ورأينا أثره في حياتهم وحياتنا. وما وصل إلينا من هذه الحكاية سننقله إلى أبنائنا وأحفادنا: لا تنسوا فضل الأرض التي احتضنت آباءكم وأجدادكم، ولا تنسوا الرجال الذين وقفوا معهم في البدايات، واحفظوا الجميل بالوفاء والعمل والعطاء. رحم الله زايد والشيخ خليفة، وحفظ الله الشيخ محمد بن زايد، وحفظ الإمارات وشيوخها وشعبها.»






