اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

تقدير موقف: ميناء المخا في قلب معادلة الحديدة.. معركة البدائل اللوجستية والإنسانية في مواجهة الاستنزاف الحوثي

تقدير موقف: ميناء المخا في قلب معادلة الحديدة.. معركة البدائل اللوجستية والإنسانية في مواجهة الاستنزاف الحوثي

حياة جعدان ـ المدير التنفيذي لمركز تهامة للدراسات والتنمية

يرى تقدير موقف صادر عن مركز تهامة للدراسات والتنمية أن التصعيد الحوثي المتكرر تجاه ميناء المخا والمنشآت الحيوية في الساحل الغربي يتجاوز حدود الاستهداف العسكري المباشر، ليرتبط بصراع أوسع حول مستقبل الساحل الغربي، ودور الدولة اليمنية في إدارة موانئها وممراتها البحرية، وقدرتها على بناء بدائل اقتصادية ولوجستية تحد من أدوات الضغط والتعطيل التي يمكن أن تستخدمها جماعة الحوثي.

ويكتسب ميناء المخا أهمية استراتيجية إضافية لارتباطه بالمعادلة الأوسع لمدينة الحديدة ومينائها، إذ إن بقاء المخا في حالة تشغيل وجاهزية لا يمثل قيمة اقتصادية وتنموية فحسب، بل يوفر للدولة اليمنية وحلفائها هامشًا أوسع لإدارة الخيارات المستقبلية المتعلقة بالحديدة، من خلال وجود منفذ يمكن أن يسهم في استمرار تدفق السلع والمساعدات والاحتياجات الأساسية.

وبحسب التقدير، فإن أحد الأهداف المحتملة لاستهداف المخا يتمثل في إضعاف النموذج التنموي للدولة في الساحل الغربي، وتقليص البديل اللوجستي والإنساني الذي يمكن أن يخفف نسبيًا من الكلفة المرتبطة بأي تطورات مستقبلية في الحديدة.

غير أن هذه القراءة لا تعني امتلاك جماعة الحوثي قدرة حاسمة على منع تحرير الحديدة أو التحكم في القرار الوطني والدولي بشأنها؛ إذ يظل هناك فارق جوهري بين امتلاك القدرة على الإضرار والتعطيل والاستنزاف، وبين امتلاك القدرة على تغيير المعادلة الاستراتيجية وفرض نتائج سياسية أو عسكرية نهائية.

ويخلص التقدير إلى أن التوصيف الأدق للتهديد الحوثي يتمثل في امتلاك الجماعة قدرة تعطيلية واستنزافية حقيقية، لكنها محدودة من حيث قدرتها على التحكم في مسار الأحداث أو فرض نتائج نهائية. ومن ثم فإن التقليل من قدرتها على الإضرار قد يقود إلى تقدير خاطئ للمخاطر، في حين أن المبالغة في قدراتها قد تمنحها هالة لا تعكس ميزان القوى الفعلي.

تحول طبيعة التهديد الحوثي

تكشف الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة عن اعتماد متزايد على أدوات الاستنزاف والضربات بعيدة المدى، بما يتيح للجماعة إحداث أضرار وإرباك النشاط الاقتصادي والأمني من دون الانخراط بالضرورة في مواجهة برية واسعة ومستمرة.

وتوفر هذه الأدوات قدرة على إبقاء التهديد قائمًا، ورفع متطلبات حماية المنشآت الحيوية، وإرباك النشاط الاقتصادي، ومحاولة إظهار القدرة على الوصول إلى أهداف ذات قيمة استراتيجية.

لكن امتلاك القدرة على إلحاق الضرر لا يعني امتلاك القدرة على فرض واقع استراتيجي مستدام؛ فهناك فارق كبير بين تعطيل منشأة حيوية أو رفع كلفة تشغيلها، وبين التحكم في مسار الملاحة أو تغيير موازين القوى أو فرض نتائج سياسية وعسكرية طويلة المدى.

وعليه، فإن الهجمات المتكررة ينبغي أن تُقرأ باعتبارها جزءًا من أدوات التعويض عن محدودية القدرة على فرض السيطرة المباشرة، من خلال استخدام التعطيل والاستنزاف لرفع كلفة الاستقرار وإعادة الإعمار والتعافي، وليس باعتبارها دليلًا على امتلاك الجماعة قدرة حاسمة على إعادة تشكيل المعادلة الإقليمية.

لماذا ميناء المخا تحديدًا؟

تنبع أهمية ميناء المخا من موقعه الجغرافي ووظيفته الاقتصادية وإمكانية ارتباطه بمنظومة أوسع للتجارة والنقل والخدمات اللوجستية والتنمية الساحلية.

ومن هذه الزاوية، فإن استهدافه لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره استهدافًا لمنشأة اقتصادية منفردة، وإنما محاولة محتملة لإضعاف أحد مكونات البيئة التي يمكن أن تساعد على تثبيت حضور مؤسسات الدولة في الساحل الغربي.

فنجاح المخا في العمل بصورة مستقرة وتطوير قدراته التشغيلية يمكن أن يوفر نموذجًا عمليًا لقدرة الدولة على إدارة المرافق الحيوية، وتحويل الساحل الغربي من ساحة صراع إلى مساحة اقتصادية وأمنية قابلة للاستقرار والتنمية.

وبالتالي، فإن تعطيل الميناء قد يخدم هدفًا يتصل بمنع تشكل نموذج بديل قادر على إثبات قدرة مؤسسات الدولة على إدارة المرافق العامة وتحقيق الاستقرار الاقتصادي والخدمي.

المخا ومعادلة الحديدة

تتمثل إحدى أبرز الدلالات الاستراتيجية لاستهداف المخا في علاقته المحتملة بأي قرار مستقبلي بشأن مدينة الحديدة ومينائها.

فأحداث عام 2018 أظهرت الوزن الكبير للعاملين الإنساني واللوجستي في الحسابات السياسية والعسكرية المرتبطة بالحديدة، كما أن محدودية البدائل المينائية القادرة على استيعاب الاحتياجات التجارية والإنسانية كانت أحد العوامل التي رفعت حساسية أي عملية عسكرية حول المدينة ومينائها.

أما اليوم، فإن وجود ميناء المخا وتطوير قدراته التشغيلية يغير جزءًا مهمًا من هذه البيئة، إذ إن ارتفاع جاهزية المخا وقدرته على استقبال السلع والمساعدات والاحتياجات الأساسية يمكن أن يقلل بعض المخاطر اللوجستية والإنسانية المرتبطة بأي تغير في وضع ميناء الحديدة.

ولا يعني ذلك أن المخا يمثل بديلًا كاملًا عن الحديدة، أو أن وجوده يحسم القرار المتعلق بمستقبل المدينة ومينائها، إذ يرتبط ذلك بعوامل عسكرية وسياسية ودبلوماسية وإنسانية متعددة. إلا أن المخا يمكن أن يمثل أحد البدائل المهمة التي تقلل هشاشة الخيارات اللوجستية والإنسانية، وتوفر هامش مناورة إضافيًا للدولة اليمنية وحلفائها.

محاولة الاستفادة من معادلة 2018

يرجح التقدير أن يكون أحد الأهداف المحتملة لاستهداف المخا محاولة الاستفادة من بعض عناصر المعادلة التي برزت عام 2018، مع الإقرار بأن الظروف الحالية تختلف عن تلك المرحلة، وأن البدائل المتاحة اليوم ليست مطابقة للوضع السابق.

وتقوم المعادلة النسبية على أن مخا آمن وجاهز يعني خيارات لوجستية وإنسانية أوسع، بينما يؤدي تعطيل المخا إلى تضييق بعض البدائل وارتفاع بعض التكاليف المرتبطة بأي تطورات في الحديدة.

وبذلك، فإن استهداف المخا قد لا يكون هدفه النهائي الميناء وحده، وإنما التأثير في البيئة المحيطة بالخيارات المستقبلية المتعلقة بالحديدة.

لكن الجماعة، وفق التقدير، قد تحاول التأثير في هذه البيئة، من دون أن يعني ذلك امتلاكها القدرة على التحكم فيها أو فرض نتائجها.

تعطيل البديل لرفع الكلفة وليس لمنع القرار

لا تحتاج جماعة الحوثي إلى امتلاك القدرة على منع أي قرار مستقبلي بشأن الحديدة حتى تستفيد من تعطيل المخا، إذ إن إضعاف البديل اللوجستي والإنساني يمكن أن يؤدي إلى رفع بعض التكاليف المرتبطة بأي عملية، وزيادة تعقيد الحسابات السياسية والإنسانية، وتعزيز الحاجة إلى ترتيبات إضافية للإمداد وحماية المدنيين واستمرار تدفق الاحتياجات الأساسية.

ومن ثم، يمكن أن يكون الهدف هو رفع كلفة القرار وليس بالضرورة منعه.

فحتى في حال خروج المخا عن الجاهزية، فإن ذلك لا يعني أن أي تحرك مستقبلي بشأن الحديدة يصبح مستحيلًا، وإنما قد يصبح أكثر تعقيدًا من حيث ترتيبات الإمداد والاحتياجات الإنسانية والتعامل مع ردود الفعل الدولية.

وعليه، فإن حماية المخا تهدف إلى توسيع الخيارات المتاحة للدولة وتقليل عناصر الضغط، وليس إلى اعتباره شرطًا وحيدًا لاتخاذ أي قرار بشأن الحديدة.

البعد الإنساني ومحاولة توظيفه سياسيًا

يمثل العامل الإنساني أحد أكثر الملفات حساسية في أي عملية عسكرية مرتبطة بميناء رئيسي كالحديدة.

وفي حال تزامن أي تحرك عسكري مع خروج المخا عن الجاهزية، فإن المخاوف المتعلقة بالغذاء والدواء والمساعدات وحركة التجارة يمكن أن تصبح أكثر حضورًا في الحسابات السياسية والدبلوماسية.

ولا يعني ذلك أن المجتمع الدولي سيقبل بالضرورة باستخدام هذه الاعتبارات لتعطيل أي قرار عسكري، لكنه سيواجه بيئة أكثر تعقيدًا من الناحيتين الإنسانية والسياسية.

ومن هنا، فإن الحفاظ على جاهزية المخا لا يمثل إجراءً اقتصاديًا أو أمنيًا فحسب، وإنما وسيلة لتقليص مساحة الضغط المرتبطة بالعامل الإنساني، وتعزيز قدرة الدولة وحلفائها على إدارة تداعيات أي تطور في الحديدة.

البعد القانوني والدبلوماسي

يشدد التقدير على أن استهداف ميناء المخا ينبغي ألا يبقى محصورًا في إطار توصيفه كحادث عسكري ضمن النزاع اليمني، بل يجب أن يخضع لرصد قانوني وتوثيق منهجي يحدد طبيعة الأهداف المستهدفة، والظروف المحيطة بكل حادثة، وحجم الأضرار التي لحقت بالمنشأة ووظائفها المدنية والتجارية والإنسانية، والآثار المترتبة على السكان وحركة التجارة والإمدادات.

وتخضع الموانئ والمنشآت المدنية، في حالات النزاع المسلح، لقواعد ومبادئ القانون الدولي الإنساني، بما في ذلك مبادئ التمييز والتناسب واتخاذ الاحتياطات اللازمة لحماية المدنيين والأعيان المدنية.

وعليه، ينبغي أن يستند أي توصيف قانوني إلى الوقائع والأدلة وملابسات كل حادثة، مع تجنب إطلاق أحكام قانونية مسبقة.

ويمكن للدولة اليمنية وحلفائها، استنادًا إلى ما يثبت من وقائع وأدلة، تفعيل المسار القانوني والدبلوماسي أمام الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والجهات القانونية المختصة، لإبراز الآثار المترتبة على استهداف الموانئ والمنشآت الحيوية المرتبطة بالأمن الغذائي والتجاري والإنساني.

والهدف هو الانتقال من مجرد إدانة الهجمات إلى بناء ملف توثيقي وقانوني قابل للاستخدام الدولي، يوضح آثار استهداف البنية التحتية المدنية والحيوية وتداعيات ذلك على المدنيين والإمدادات والاقتصاد وأمن الملاحة.

المخا وأمن البحر الأحمر وباب المندب

لا تنفصل أهمية المخا عن البيئة الأمنية الأوسع للبحر الأحمر وباب المندب، إذ يقع الساحل الغربي على تماس مباشر مع أحد أهم الممرات البحرية الدولية.

وأي اضطراب طويل الأمد في الموانئ والمنشآت الساحلية يمكن أن ينعكس على التجارة وسلاسل الإمداد وأمن الملاحة، في ظل التحولات التي تشهدها ترتيبات الأمن الإقليمي.

وفي هذا السياق، تسعى الأطراف المختلفة إلى تعزيز قدرتها على حماية الممرات البحرية والمنشآت الحيوية، بينما تحاول الجماعات المسلحة الاحتفاظ بأدوات تمنحها قدرة على التأثير أو التعطيل.

ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة استهداف المخا ضمن محاولة للحفاظ على أداة ضغط وتعطيل تمنع ترسيخ بيئة مستقرة في الساحل الغربي.

غير أن القدرة على إرباك هذه البيئة لا تعني القدرة على التحكم في مستقبلها، إذ يرتبط مستقبل أمن البحر الأحمر وباب المندب بتوازنات أوسع من قدرة أي جماعة منفردة على فرضها.

بين الضغوط الداخلية والقدرة على الإضرار

قد تعكس الهجمات المتكررة حالة من الضغوط التي تواجهها جماعة الحوثي، لكنها في الوقت ذاته تكشف عن استمرار امتلاكها وسائل قادرة على إحداث أضرار مؤثرة.

لذلك، فإن وصف الهجمات بأنها «الرصاصة الأخيرة» قد يؤدي إلى التقليل من مخاطر قدراتها القائمة، في حين أن تقديم الحوثيين باعتبارهم قوة قادرة على تغيير المعادلة الإقليمية بصورة منفردة يمثل مبالغة في تقدير حجمها.

والأدق، وفق التقدير، هو وضع الجماعة في موقعها الحقيقي باعتبارها تمتلك أدوات للإضرار والتعطيل والاستنزاف، لكنها تواجه قيودًا كبيرة في تحويل هذه الأدوات إلى مكاسب استراتيجية مستدامة.

وتحقق هذه المقاربة التوازن المطلوب بين تقدير الخطر وعدم تضخيم الخصم.

المخا كاختبار لقدرة الدولة على إدارة التحولات

تتجاوز حماية ميناء المخا البعد العسكري المباشر لتصبح اختبارًا لقدرة الدولة اليمنية وحلفائها على الانتقال من إدارة ردود الفعل إلى إدارة البيئة الاستراتيجية.

فاستعادة الدولة لا تعني السيطرة على الأرض فقط، وإنما تعني أيضًا حماية الموانئ والطرق والمنشآت الحيوية، وضمان استمرار النشاط الاقتصادي، وخلق بيئة آمنة للتجارة والاستثمار والتنمية.

ومن هذا المنظور، فإن استمرار تشغيل المخا وتطوير قدراته سيعزز قدرة مؤسسات الدولة على حماية أصولها الاستراتيجية، ويقلل قدرة الحوثيين على تحويل استهداف البنية التحتية إلى أداة ضغط سياسية.

وبالتالي، فإن نجاح الدولة في حماية المخا لا يقاس فقط بعدد الهجمات التي يتم منعها، وإنما بقدرتها على ضمان استمرار الوظيفة الاقتصادية والإنسانية واللوجستية للميناء في ظروف التصعيد.

مركز تهامة.. رصد وتحليل لمسارات التهديد

في إطار اهتمامه بملفات الساحل الغربي وأمن البحر الأحمر ومسارات استعادة الدولة، يعمل فريق مركز تهامة للدراسات والتنمية على مسار بحثي يقوم على الرصد والتدقيق والتتبع والتقييم للمعطيات المرتبطة باستهداف ميناء المخا.

ويشمل هذا الجهد متابعة أنماط الهجمات وتوقيتها وطبيعة الأهداف المتأثرة، ومستوى الأضرار وانعكاساتها على الجاهزية التشغيلية للميناء وحركة التجارة والإمدادات، إلى جانب تتبع العلاقة بين التصعيد ضد المخا والتطورات العسكرية والأمنية في الساحل الغربي.

كما يتابع الفريق التداعيات المحتملة لهذا التصعيد على ملف الحديدة والبيئة الإنسانية والاقتصادية وأمن الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب.

ولا يقتصر هذا العمل على رصد الأحداث، وإنما يستهدف تدقيق المعلومات ومقارنتها وتحليل اتجاهاتها، وبناء قراءة تراكمية تساعد على تقييم تطور التهديد، والتمييز بين الحوادث المنفردة والأنماط المتكررة، واستشراف انعكاساتها المحتملة على خيارات صانع القرار.

ويأتي هذا المسار في إطار توجه المركز نحو إنتاج تقديرات موقف تستند إلى الرصد المستمر والتحليل المتدرج والتقييم الدوري، بما يربط التطورات الميدانية بسياقها السياسي والاقتصادي والأمني والقانوني الأوسع.

السيناريوهات المحتملة

السيناريو الأول: استمرار الاستنزاف

قد تستمر جماعة الحوثي في تنفيذ هجمات متقطعة تستهدف إبقاء المخا تحت ضغط أمني دون الانتقال إلى مواجهة مفتوحة، بما يحافظ لها على ورقة ضغط محدودة الكلفة.

ويظل هذا السيناريو مرجحًا في حال استمرار قدرة الجماعة على تنفيذ ضربات متفرقة دون تحقيق تحول نوعي في مستوى الردع أو الحماية.

السيناريو الثاني: تصعيد نوعي

قد تتجه الجماعة إلى رفع مستوى كثافة الهجمات أو محاولة إحداث أضرار أكبر في المنشآت الحيوية وتقليص الجاهزية التشغيلية للميناء، خصوصًا إذا رأت أن البيئة الإقليمية تتحرك باتجاه الحد من قدرتها على التأثير.

ولا يعني تحقق هذا السيناريو امتلاك الحوثيين القدرة على فرض معادلة جديدة، لكنه قد يرفع كلفة حماية الميناء واستمرار تشغيله.

السيناريو الثالث: تحصين المخا وتحويله إلى أصل استراتيجي

يمثل هذا السيناريو الخيار الأكثر فاعلية للدولة، من خلال تعزيز حماية الميناء ورفع قدراته التشغيلية واللوجستية، وتطوير منظومات الإنذار والحماية بما يسمح باستمرار عمله في ظروف التصعيد.

وفي هذه الحالة، يتحول المخا من منشأة معرضة للتهديد إلى أصل استراتيجي قادر على الصمود، وتوسيع الخيارات الوطنية، وتقليص أدوات الضغط والتعطيل.

متطلبات الاستجابة

يفرض مستوى التهديد الانتقال من حماية الميناء بوصفها مهمة أمنية محدودة إلى بناء منظومة متكاملة لحماية الوظيفة الاستراتيجية للمخا، وتشمل الأولويات:

  1. تعزيز منظومات الإنذار المبكر والحماية الجوية للميناء والمنشآت الحيوية المحيطة به.
  2. رفع جاهزية الأرصفة والمخازن والمرافق التشغيلية، وتقليل نقاط الضعف التي قد تؤدي إلى توقف العمل.
  3. تأمين خطوط الإمداد البرية والبحرية المرتبطة بالميناء.
  4. رفع القدرة الاستيعابية للمخا في المجالات التجارية والإنسانية، بما يعزز دوره كأحد البدائل اللوجستية المهمة.
  5. إعداد خطط استمرارية الأعمال والطوارئ لضمان استمرار العمليات الأساسية في ظروف التصعيد.
  6. تعزيز التنسيق مع الشركاء الإقليميين والدوليين المعنيين بأمن الملاحة وحماية الممرات البحرية.
  7. إدماج أمن المخا ضمن أي تصور أوسع لإدارة ملف الحديدة، بحيث لا يُنظر إلى الميناءين باعتبارهما ملفين منفصلين.
  8. إنشاء مسار قانوني وتوثيقي متخصص لرصد وتدقيق الهجمات وآثارها، وإعداد الملفات التي يمكن الاستناد إليها في المحافل الدولية وفقًا للقانون الدولي الإنساني.
  9. تفعيل المسار الدبلوماسي والإعلامي لإبراز مخاطر استهداف الموانئ والمنشآت المدنية والحيوية على الاقتصاد اليمني والأمن الإقليمي والملاحة الدولية.
  10. الانتقال من الاستجابة بعد وقوع الهجوم إلى بناء ردع وقائي يقلل قدرة الحوثيين على تحقيق أهدافهم من خلال استهداف البنية التحتية.

الخلاصة

يخلص تقدير الموقف إلى أن استهداف ميناء المخا يمثل تقاطعًا بين ثلاثة مستويات من الصراع: الصراع على مستقبل الدولة اليمنية، والصراع على النموذج الاقتصادي والأمني في الساحل الغربي، والصراع على ترتيبات الأمن الإقليمي في البحر الأحمر وباب المندب.

وتزداد أهمية المخا لأنه لم يعد مجرد ميناء قائم، بل أصبح جزءًا من البيئة اللوجستية والإنسانية التي يمكن أن تؤثر في الخيارات المستقبلية المتعلقة بالحديدة.

فكلما حافظ المخا على جاهزيته وقدرته التشغيلية، اتسع هامش الخيارات أمام الدولة اليمنية وحلفائها، وانخفضت نسبيًا بعض المخاطر اللوجستية والإنسانية المرتبطة بأي تطورات مستقبلية في الحديدة.

أما إذا نجح الحوثيون في تعطيل المخا، فإنهم لا يوجهون ضربة إلى منشأة اقتصادية فحسب، بل قد يسهمون في إضعاف أحد البدائل التي يمكن أن تخفف من الكلفة الإنسانية والسياسية لأي تطورات في الحديدة، وإعادة إدخال العامل الإنساني كعنصر ضغط على عملية اتخاذ القرار.

لكن هذه القدرة لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها قدرة حاسمة على منع تحرير الحديدة أو التحكم في مسار القرار الوطني والدولي؛ فالقدرة على التعطيل شيء، والقدرة على فرض النتائج شيء آخر.

وعليه، فإن حماية ميناء المخا لا ينبغي أن تكون استجابة ظرفية للهجمات الحوثية، وإنما قرارًا استراتيجيًا يرتبط بحرية القرار الوطني وبإدارة مسار استعادة الدولة.

إن تأمين المخا ورفع قدراته التشغيلية وحمايته من التهديدات الصاروخية والمسيّرة، وتحويله إلى مركز تجاري وإنساني ولوجستي قادر على الصمود، يمثل استثمارًا في خيارات الدولة المستقبلية.

ومن هذه الزاوية، فإن معركة حماية المخا ليست منفصلة عن معادلة الحديدة، وليست منفصلة عن مسار استعادة الدولة، بل هي جزء من معركة أوسع لتقليص قدرة جماعة الحوثي على استخدام البنية التحتية والملف الإنساني والممرات البحرية كأدوات للتعطيل والاستنزاف.

ولا ينبغي التقليل من قدرة الحوثيين على الإضرار، كما لا ينبغي تضخيم قدرتهم على تغيير المعادلة. والمطلوب هو تحييد أدوات التعطيل، وحماية البدائل، وتوسيع هامش القرار الوطني. فالحفاظ على جاهزية ميناء المخا لا يحمي منشأة اقتصادية فحسب، بل يحمي هامش القرار السياسي والعسكري والإنساني للدولة اليمنية وحلفائها، ويمنع تحويل البديل اللوجستي والإنساني إلى ورقة ضغط بيد جماعة الحوثي.

إغلاق