الرسالة الأخيرة لرشاد العليمي!
بقلم / صـلاح مبارك
الخميس 13 اغسطس 2026
تابعتُ—كما تابع غيري—المؤتمر الصحفي الأخير لرئيس مجلس القيادة الرئاسي، الدكتور رشاد العليمي، الذي عُقد في مقر إقامته بالعاصمة السعودية الرياض بحضور ثلة من ممثلي الإعلام الفضائي الرسمي.
كان المشهد يستدعي الملاحظة والدهشة معًا ؛ كيف لمؤسسة حكم تؤكد بثقة أن «الدولة باتت أكثر قدرة وتماسكًا واستعدادًا لحماية مواطنيها ومؤسساتها»، أن تظل عاجزة عن عقد مؤتمر صحفي واحد على التراب الوطني الذي تتحدث صباح مساء عن استعادته والإمساك بزمامه؟ مفارقةٌ تعبر عن نفسها بوضوح، ولا تحتاج إلى إسهاب في الشرح..
ما علينا..
ما يهمنا هنا بحق هي الرسائل التي وجهها رئيس المجلس، ولا سيما تلك الموجهة إلى حضرموت؛ المحافظة التي أسبغ عليها وصفًا منمقًا بأنها ليست مجرد «بئر نفط»، بل تاريخ ومجتمع وثقافة وثقل اقتصادي وإنساني وموقع استراتيجي، مع تأكيد التزام الدولة من حصتها المكتسبة من هذه الموارد.
غير أن ما لم يكن متوقعًا هو إغفال الدكتور العليمي لذكر مصفوفة المطالب العادلة والمشروعة لحضرموت، التي تضمنتها خطة تطبيع الأوضاع المقرة من مجلس القيادة في السابع من يناير عام 2025م، والتي جاءت نتاج حراك مجتمعي واسع قاده ميدانيًا حلف قبائل حضرموت.. في المقابل، تذكّر الدكتور العليمي بأن المحافظة تحصلت سابقًا على نحو نصف مليار دولار من نسبة الـ 20% من مبيعات النفط، وهي الحصة التي طالب بإخضاعها لمبادئ الحوكمة والشفافية والرقابة من «المركز»، قبل أن يتساءل : أين ذهبت موارد هذه الحصة؟ وهل صُرِفت في مشاريع تنموية أم إلى أين؟.
غير أن المفارقة تجلت حينما حذر العليمي من أن النفط «ممكن ينتهي» ، ليعرب عن أمله في أن تتمكن الحكومة من الوفاء بفاتورة رواتب الموظفين اعتمادًا على الموارد الداخلية، مع تجديد التزام بدفع رواتب الموظفين في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين وفق كشوفات عام 2014، فور استئناف تصدير «النفط» وتأمين الموارد اللازمة!
وشخصيًا أتفق مع من يقول بإن استحقاقات حضرموت النفطية لا يمكن اختزالها في حصة الـ 20% ، بل بـ «حصة عادلة» تأخذ معها ملف التعويضات عن الأثر البيئي والتكلفة الباهظة للمخلفات النفطية على البنية التحتية والإنسان.. فأرقام وإحصاءات الإصابات بالسرطان والأمراض المستعصية في المناطق النفطية والمجاورة لها —والموثقة لدى مؤسسات أهلية وتخصصية، وفي مقدمتها «مؤسسة حضرموت لمكافحة السرطان»— شهادة على حجم الفاتورة البشرية التي دفعتها هذه المناطق.
من هنا، فإن منطق العدالة لا يقف عند حدود السؤال الرئاسي: «كم تحصلت حضرموت؟»، بل يمتد ليتساءل: «كم تحمّلت وتتحمل هذه المحافظة من أعباء عمليات الإنتاج وأضرارها الجانبية؟».
إن إرث الماضي لا يمكن شطبه أو تجاوزه عند إعادة رسم معادلة المستقبل، وما تراكم عبر سنواتٍ من الاستنزاف والتلوث وتدهور الخدمات لا يمكن محوه بقرار استئناف التصدير أو بالوعود البراقة.. فالنفط، وإن كان ثروة وطنية وسيادية— كما يقول مسؤولو الحكومة — فإن عدالة توزيعه تبدأ حتمًا من الاعتراف الكامل بالمنافع والأعباء على حد سواء.






