حبة الصباح وحبة المساء.. حين تتحول سماء سيئون إلى مصدر للقلق
بقلم / أ. يسلم مفيلح
الخميس 13 اغسطس 2026
حبة الصباح وحبة المساء… هكذا يمكن وصف حال أهالي حي القرن بمديرية سيئون هذه الأيام، في ظل مشهد غير مألوف فرض نفسه على تفاصيل حياتهم اليومية، مع تكرار تحليق طائرة مسيرة في سماء المدينة وأجواء المنطقة العسكرية الأولى، وما يصاحب ذلك من حالة ترقب وقلق لدى السكان.
لم تعد السماء بالنسبة لكثير من الأهالي مجرد فضاء مفتوح يمر فوق رؤوسهم دون أن يلتفتوا إليه؛ فقد أصبح صوت الطائرة المسيرة، وتحليقها، وتوقيت ظهورها، جزءًا من يومياتهم. فالصباح قد يبدأ على وقع التحليق، والمساء قد ينتهي على المشهد نفسه، وكأن الطائرة اختارت أن تكون حاضرة في حياة الناس مرتين: مرة لتقطع عليهم نومهم، ومرة لتدفعهم إلى التفكير مليًا في موعد عودتهم إلى منازلهم وإغلاق أبوابهم.
الصباح الذي لم يعد صباحًا عاديًا
في الأحياء السكنية، اعتاد الناس أن يبدأ يومهم بأصوات الحياة الطبيعية: حركة الشوارع، أصوات الباعة، الأطفال المتجهون إلى مدارسهم، والعمال والموظفون الذين يستعدون ليوم جديد.
لكن عندما يصبح التحليق العسكري حاضرًا في السماء، يتغير الإحساس بالمكان والزمان. يتحول الصباح الهادئ إلى لحظة ترقب، ويتساءل الناس: ما طبيعة هذه الطائرة؟ لماذا تحلق هنا؟ إلى متى ستستمر؟ وهل ما يحدث مجرد تحليق عابر، أم أن وراءه تطورات لا يعرفها المواطن العادي؟
وهنا تكمن المشكلة الحقيقية؛ فالمواطن لا يملك المعلومات الكافية، لكنه يعيش نتائج غيابها. وكلما تكرر المشهد دون توضيح، اتسعت مساحة القلق والتكهنات.
وحبة المساء.. موعد جديد مع القلق
أما المساء، الذي يفترض أن يكون وقتًا للراحة والعودة إلى المنازل، فقد أصبح بالنسبة لبعض الأهالي مرتبطًا أيضًا بمراقبة السماء.
إن أخطر ما في مثل هذه المشاهد ليس فقط الطائرة في حد ذاتها، وإنما الأثر النفسي الذي تتركه في نفوس المدنيين، خصوصًا عندما يتكرر حضورها بصورة تجعل الناس يشعرون بأن الخطر أصبح جزءًا من حياتهم اليومية.
*المنطقة العسكرية الأولى.. بين المسؤولية والرسالة*
إن وجود طائرة مسيرة في أجواء المنطقة العسكرية الأولى يضع المؤسسات والجهات المعنية أمام مسؤولية كبيرة، ليس فقط من الناحية العسكرية، وإنما أيضًا من الناحية المدنية والإعلامية.
فمن حق الأهالي أن يعرفوا، بالقدر الذي لا يضر بالعمليات الأمنية والعسكرية، طبيعة ما يجري في سمائهم. وليس المقصود نشر تفاصيل عسكرية أو معلومات قد تستفيد منها أي جهة معادية، وإنما تقديم توضيح يطمئن السكان ويحد من الشائعات.
فالفراغ المعلوماتي لا يبقى فارغًا طويلًا؛ إذ سرعان ما تملؤه الروايات المتناقلة، والتفسيرات الشخصية، ومواقع التواصل الاجتماعي، وكلما غابت المعلومة الرسمية الموثوقة زادت مساحة الإشاعة.
*مدينة سيئون ليست ساحة حرب*
سيئون مدينة لها خصوصيتها، وأهلها اعتادوا على حياة مدنية واجتماعية مستقرة نسبيًا، ولهذا فإن أي مظهر عسكري غير معتاد في سمائها يترك أثرًا أكبر من مجرد لحظة عابرة.
فالمدينة ليست مجرد مواقع عسكرية ومنشآت أمنية، بل هي أيضًا بيوت وأسر وأطفال وطلاب وكبار سن ومرضى وعمال وموظفون.
أهالي حي القرن، وأهالي سيئون عمومًا، لا يبحثون عن الإثارة ولا عن تحويل المشهد إلى مادة للتخويف، وإنما يريدون أن يعيشوا بأمان وأن يعرفوا ما الذي يحدث حولهم.
ومن حقهم أن تكون هناك رسائل واضحة من الجهات المختصة، وأن تكون إجراءات حماية المدنيين حاضرة، وأن يتم التعامل مع أي طيران مسير أو نشاط جوي غير مألوف وفق أعلى درجات المسؤولية، بعيدًا عن الاستهانة بالخطر وبعيدًا أيضًا عن تضخيمه بما يزرع الذعر بين الناس.
*بين حبة الصباح وحبة المساء*
في النهاية، قد تبدو عبارة “حبة الصباح وحبة المساء” ساخرة في ظاهرها، لكنها تخفي وراءها واقعًا مؤلمًا.
فالحبة الصباحية ليست مجرد طائرة تحلق في السماء، والحبة المسائية ليست مجرد عودة لطائرة أخرى؛ إنهما علامتان على أن شيئًا غير طبيعي بدأ يتسلل إلى حياة الناس.
والمواطن لا يريد أن يعتاد على ذلك.
لا يريد أن يصبح تحليق الطائرات المسيرة جزءًا من برنامجه اليومي، ولا أن يتعلم الأطفال أسماء الطائرات قبل أن يتعلموا كيف يحلمون بمستقبل آمن، ولا أن تتحول السماء التي يفترض أن تمنح الإنسان شعورًا بالاتساع والحرية إلى مصدر دائم للقلق.
إن ما يحدث يستحق التوقف عنده بجدية، ليس من باب التهويل، وإنما من باب المسؤولية تجاه حياة الناس وحقهم في الأمن والسكينة.
فإذا كان للصباح حبة وللمساء حبة، فإن أهالي سيئون لا يريدون جرعة إضافية من الخوف؛ هم يريدون فقط جرعة من الطمأنينة، ورسالة واضحة تقول لهم إن أمنهم وسلامتهم ليستا أمرًا ثانويًا، وإن سماء مدينتهم ستظل سماءً للحياة، لا موعدًا يوميًا للقلق والترقب.
سلامتكم تهمنا






