اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

سقوط الأقلام… عندما يتحول الإعلامي إلى خصم

سقوط الأقلام… عندما يتحول الإعلامي إلى خصم

بقلم | محمد ابراهيم
الثلاثاء 11 اغسطس 2026

ما نشهده هذه الأيام من تراشقٍ عبر وسائل التواصل الاجتماعي بين من يسمون أنفسهم إعلاميين وناشطين، يبعث في النفس خيبة أمل عميقة، ويضعنا أمام سؤال مؤلم: هل هؤلاء هم واجهة الوطن؟
لقد كنا ننظر إلى أصحاب الأقلام والكلمات والصور باعتبارهم ضمير المجتمع، وصوت العقل، ومنارات الوعي التي تهدي الناس في ظلمة الأزمات. كنا نظن أنهم أول من يؤمن بأن “الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية”، وأن النقد البناء هو السبيل الوحيد لإصلاح الخلل، لا هدم صاحبه.
لكن ما نراه اليوم هو سقوطٌ مدوٍّ. تحولت المنصات إلى ساحات للسب والتخوين، وتجريد كل من يخالفهم الرأي من وطنيته، وكأن الوطنية صكٌّ يملكونه، يمنحونه لمن يشاؤون ويسحبونه ممن يعارضهم. صار القلم الذي كان يُفترض أن يداوي الجراح، خنجراً يطعن به كل صاحب فكر مختلف.
إن الإعلامي الحقيقي لا يخشى الرأي الآخر، بل يواجهه بالحجة والمنطق. النقد لا يُرد عليه بالشتم، بل بمراجعة الذات وإصلاح الخلل إن وُجد. أما أن يتحول الخلاف الفكري إلى معركة شخصية قوامها السب والتخوين، فهذا هو الدرك الأسفل من التخلف المهني والأخلاقي.
والأدهى من ذلك، أن بعضهم حوّل الكتابة والعمل الإعلامي إلى استثمار رخيص. استثمار في الأزمات، ومتاجرة بالمواقف، وبيع للكلمة لمن يدفع أكثر. فصار الولاء للمصلحة، لا للوطن، وصارت الحقيقة تُفصّل على مقاس الممول.
فكيف ستقوم لنا قائمة؟ كيف نبني وطناً ونحن نرى من يُفترض أنهم “نخبته المثقفة” يتصدرون مشهد التشرذم والكراهية؟ كيف نطلب من المواطن البسيط أن يحترم الرأي الآخر، وهو يشاهد قدوته الإعلامية تمارس أبشع أنواع الإقصاء والتخوين؟
إن الوطن لا يُبنى بالحناجر التي تصرخ، بل بالعقول التي تفكر، والأقلام التي تنصف. وإن أول خطوات الإصلاح أن يعود الإعلامي إلى دوره الحقيقي: أن يكون جسراً للحوار، لا معولاً للهدم. أن يدرك أن قوة كلمته في صدقها، لا في صراخها. وأن الوطنية فعلٌ وإنجاز، لا شعارٌ يُستخدم لطعن المخالفين.
فإن لم يرتقِ الإعلامي بخلقه قبل قلمه، فلا خير فيه ولا في كلماته، وسيبقى الوطن يدفع ثمن سقوط أقلامه.

إغلاق