اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

اتفاقية مكة.. نحو تحالف عربي وإسلامي يعيد توازن الردع

اتفاقية مكة.. نحو تحالف عربي وإسلامي يعيد توازن الردع

بقلم / نايل عارف العمادي

في عالم تتسارع فيه التحولات الجيوسياسية وتتسع فيه دائرة التحالفات السياسية والعسكرية والاقتصادية لم يعد امتلاك عناصر القوة منفردة كافيًا لحماية المصالح الوطنية أو مواجهة التحديات المتنامية ومن هنا تبرز أهمية اتفاقية مكة باعتبارها خطوة يمكن أن تؤسس لملامح تحالف استراتيجي عربي وإسلامي جديد يقوم على التعاون الدفاعي والاقتصادي والتقني ويفتح الطريق أمام استعادة قدر أكبر من الاستقلال في القرار وحماية الأمن الإقليمي.

وتكتسب الاتفاقية أهميتها من كونها جمعت ثلاث عواصم إسلامية ذات ثقل استراتيجي كبير الرياض وإسطنبول وإسلام آباد بما تمثله كل واحدة منها من إمكانات سياسية واقتصادية وعسكرية وجيوسياسية مختلفة يمكن أن تتكامل في إطار شراكة استراتيجية واسعة.

فالرياض ينظر إليها اليوم باعتبارها إحدى أهم عواصم القرار العربي ومحورًا متناميًا في معادلات القوة في الشرق الأوسط وقد استطاعت المملكة خلال السنوات الماضية بناء رؤية سياسية واقتصادية طموحة مدعومة بتحولات واسعة في الاقتصاد والتنمية والتقنية ما جعلها لاعبًا رئيسيًا في صياغة مستقبل المنطقة.

أما إسطنبول فتتمتع بموقع جيوسياسي فريد يجعلها حلقة وصل بين آسيا وأوروبا إضافة إلى عضوية تركيا في حلف شمال الأطلسي وما تمتلكه من قدرات عسكرية وصناعات دفاعية متطورة خصوصًا في مجالات الطائرات المسيّرة والتقنيات العسكرية الحديثة والذكاء الاصطناعي وقد أصبحت الصناعات الدفاعية التركية عنصرًا مهمًا في معادلات القوة والتعاون العسكري الإقليمي والدولي.

وفي الجهة الأخرى تقف إسلام آباد بما تمتلكه باكستان من قدرات عسكرية ونووية تجعلها إحدى أبرز القوى الإسلامية في المجال الاستراتيجي ومن شأن دخولها في شراكة دفاعية واقتصادية أوسع أن يفتح آفاقًا جديدة للتعاون في الصناعات العسكرية وتبادل الخبرات والتقنيات ويمنح التحالف المحتمل بعدًا استراتيجيًا إضافيًا.

لكن أهمية اتفاقية مكة لا ينبغي أن تتوقف عند حدود التعاون الدفاعي بين ثلاث دول بل يجب أن تكون نواة لمشروع أوسع يستوعب مختلف الدول العربية والإسلامية وفق رؤية تقوم على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل وسيادة الدول.

فنحن أمام عالم لا تقاس فيه قوة الدول بقدرتها العسكرية وحدها إذ أصبحت القوة الاقتصادية والتكنولوجية والأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي والصناعات الدفاعية جزءًا أساسيًا من مفهوم الأمن القومي ولذلك فإن بناء قوة عربية وإسلامية مشتركة لا بد أن يتجاوز مفهوم التعاون العسكري التقليدي إلى تأسيس منظومة متكاملة من المصالح الاقتصادية والتقنية والدفاعية.

ومن هنا تأتي أهمية أن تتبلور عن الاتفاقية مشاريع عملية من بينها توطين الصناعات الدفاعية وتعزيز الاستثمارات المشتركة في التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي وتبادل الخبرات العسكرية وإجراء تدريبات ومناورات مشتركة وتطوير منظومات دفاعية متقدمة وفتح المجال أمام الدول العربية والإسلامية للانضمام إلى مسارات التعاون الجديدة.

كما أن الأمن الاقتصادي لا يقل أهمية عن الأمن العسكري فالحروب الحديثة لا تُحسم دائمًا في ميادين القتال إذ أصبحت العقوبات الاقتصادية وسلاسل الإمداد والطاقة والتكنولوجيا والأسواق أدوات مؤثرة في موازين القوة الدولية ولذلك فإن بناء تكتل اقتصادي قوي بين الدول العربية والإسلامية يمكن أن يمنح دول المنطقة قدرة أكبر على حماية مصالحها والتعامل مع الأزمات بعيدًا عن الارتهان الكامل للقوى الخارجية.

ولعل الطموح الأكبر أن تتطور هذه الشراكة مستقبلًا إلى إطار إقليمي قادر على المساهمة في فض النزاعات وحماية الأمن الإقليمي ومنع التدخلات الخارجية وفق آليات قانونية وسياسية واضحة بحيث تصبح الدول العربية والإسلامية أكثر قدرة على معالجة أزماتها من داخل منظومتها بدل أن تتحول أراضيها إلى ساحات مفتوحة للصراعات الدولية والإقليمية.

فمن اليمن إلى السودان مرورًا بالعراق ولبنان وسوريا والصومال وفلسطين تبدو المنطقة مثقلة بصراعات معقدة تتداخل فيها المصالح المحلية والإقليمية والدولية وفي كثير من هذه الأزمات يدفع المواطن العربي الثمن الأكبر بينما تتحول بلاده إلى ساحة لتصفية الحسابات بين قوى ومشاريع تتجاوز حدود المنطقة.

لقد أثبتت التجارب أن الفراغ في موازين القوة لا يبقى فراغًا فحين تضعف الدول وتتشرذم المجتمعات تتقدم القوى الأخرى لملء هذا الفراغ ولذلك فإن بناء منظومة عربية وإسلامية قوية لا ينبغي أن يكون مشروعًا لمواجهة أحد بقدر ما يجب أن يكون مشروعًا لحماية الأمن والاستقرار والسيادة ومنع تحويل المنطقة إلى ساحة مفتوحة للصراعات بالوكالة.

إن العالم اليوم لا يتحرك خارج منطق التحالفات والقوى الكبرى بنت نفوذها عبر تكتلات سياسية واقتصادية وعسكرية متماسكة ومن حق العالم العربي والإسلامي أن يمتلك منظومة تعاون تحقق مصالحه وتحمي أمنه وتمنحه هامشًا أوسع من الاستقلال في قراراته.

اتفاقية مكة إذا ما تحولت إلى مشروع مؤسسي متكامل يمكن أن تكون بداية لهذا المسار بداية نحو شراكة عربية وإسلامية تقوم على القوة الاقتصادية والتقدم التقني والتعاون الدفاعي وتستعيد الثقة بقدرة الأمة على حماية مصالحها وصناعة مستقبلها.

لقد طال زمن التمزق وطال الاعتماد على الآخرين وطال تحويل منطقتنا إلى ساحة للصراعات وما تحتاجه الأمة اليوم ليس مزيدًا من الشعارات بل مشاريع حقيقية تبني القوة وتؤسس للشراكة وتعيد الاعتبار لمفهوم المصالح المشتركة.

ومن هذا المنطلق فإن اتفاقية مكة لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها اتفاقًا بين ثلاث عواصم فحسب بل باعتبارها فرصة يمكن البناء عليها لتشكيل منظومة أوسع يكون عنوانها الأمن المشترك والاقتصاد المشترك والقوة المشتركة والقرار المستقل نعم اتفاقية مكة تمثل بالنسبة لي خطوة في الاتجاه الصحيح وتمثل أملًا لكل عربي ومسلم يتطلع إلى منطقة أكثر أمنًا واستقرارًا وإلى أمة تمتلك أسباب القوة وتحمي مصالحها بنفسها بعيدًا عن التمزق والارتهان والصراعات التي أنهكت شعوبها لعقود فكفانا ضعفًا وكفانا فرقة وكفانا تمزقًا لقد آن للأمة أن تبني قوتها وأن تصنع توازنها وأن تكتب مستقبلها بقرارها…

إغلاق