من التحرير إلى الاستعمار: درس للجنوب وتحذير للشمال
بقلم | صالح عواض
الاثنين 10 اغسطس 2026
عندما انطلقت عاصفة الحزم بقيادة المملكة العربية السعودية في مارس 2015م، خرج أبناء الجنوب يهتفون للسعودية ودول الخليج باسم التحرير. كان الوعد واضحًا: إعادة الدولة، وبناء المؤسسات، وإعادة الأمن، وإعادة الخدمات التي دمرتها الحرب.
مضت أكثر من عشر سنوات، والنتيجة: لا دولة، ولا مؤسسات، ولا خدمات. بل مزيدًا من الظلم والتدهور الإداري والمالي والخدمي في المناطق الجنوبية.
وإذا نظرنا إلى المناطق الجنوبية التي تعتبرها السعودية اليوم “محررة”، تحولت الحياة فيها إلى جحيم لم يشهده الجنوبيون من قبل:
فشل إداري متعمد، لا حكومة مركزية فاعلة، ولا قرار سيادي. المحافظون يأتمرون بغرفة عمليات خارجية، والقرارات المصيرية تخرج من فنادق الرياض.
انهيار غير مسبوق في الخدمات، وأكاذيب وأساطير حول الكهرباء. الرواتب تراجعت بنسبة 700%، المستشفيات لم تعد تقدم خدمات كاملة، والتعليم والمعلم في الحضيض. الموانئ والمطارات والمنافذ والثروات تُدار بعقود تذهب إيراداتها بعيدًا عن المواطن.
أمن هش، الجريمة والاغتيالات تحدث كل يوم وأمام الملأ. تعددت وتنوعت التشكيلات والمكونات السياسية التي تسعى لمصالحها أكثر من مصلحة المواطن والوطن. دُمّر الجيش الوطني واستبدل بتشكيلات مسلحة تتلقى دعمها ورواتبها وأوامرها من الخارج ليس لتحرير الوطن، بل للاقتتال الداخلي، وخلق مزيد من الفوضى والتشرذم والتقزم حتى يتناثر الوطن ويذهب في مهب الريح.
أما في المجال الاقتصادي فالإرادة غائبة عن أي إصلاحات أو تنمية خلال السنوات العشر الماضية، ناهيك عن الفساد المالي غير المسبوق، وحوّلت الشعب اليمني من شعب كريم عفيف إلى أفواه جائعة ومتسولة تنتظر المساعدات الخارجية للمؤسسات والمنظمات الدولية التي دسّت السم في العسل لإفساد المجتمع وقِيمه ومبادئه.
فهل هذا هو التحرير الذي ينشده الشعب؟ هذا ليس تحرير .. هذا استبدال احتلال باحتلال آخر، بأدوات ناعمة وبشعار الأشقاء.
وقع الجنوبيون: سياسيون وقادة وشيوخ، في الفخ لأنهم صدّقوا أن من أتى بطائراته إليهم سيبني لهم دولة. صدّقوا أن التحرير يعني السيادة. لكن سياسة الاشقاء في اليمن تاريخيا قامت على مبدأ واحد: إدارة الفوضى لا إنهائها. تريد دولة ضعيفة تابعة لها تخدم أجندة إقليمية، ولا تقوم لها قائمة حتى تبقى تحت الوصاية إلى الأبد.
واليوم ترتفع أصوات (قادمون يا صنعاء) للتحرير بقيادة الأشقاء. فإذا كانت السياسة نفسها، والأدوات نفسها، والإدارة نفسها التي حولت الجنوب إلى مناطق منكوبة، فلا داعي للتحرير.
فلينظر أبناء المناطق الشمالية إلى الجنوب بعين مفتوحة. انظروا إلى عشر سنوات من التحرير هل قامت دولة؟ هل عاد القرار للمواطن؟ هل تحسنت الرواتب واستمرت؟ هل تحسن دخل المواطن ومعيشته؟ هل حُلت مشاكل الكهرباء والخدمات؟
الجواب أمامكم في فواتير الكهرباء، وفي طوابير المشتقات، وفي وجوه الطلاب الذين حُرموا من التعليم، وفي دموع الرجال الذين انكسروا بسبب المعيشة.
إذًا فالخيار ليس بين احتلال وتحرير كما يصورونه. الخيار هو بين أن تملك قرارك وتدفع ثمنه، أو أن تسلم قرارك فيصبح مصيرك بيد غيرك.






