حضرموت واستراتيجية الخيمة
بقلم /.المحامي صالح باحتيلي النعماني
حضرموت اليوم بحاجة إلى البحث عن مخرج حقيقي وفاعل لقضيتها، بعيدًا عن أسلوب الكيانات السياسية التي—بحسب التجربة—تنشغل بالحوار مع نفسها، وتستهلك الوقت في الدوران حول ذاتها، من دون أن تقترب بصورة جدية من الهدف الذي يتطلع إليه شعب حضرموت، منذ ان طوى الشيخ صالح بن حريز خيمة بترو مسيلة لم ياتي احد من السلطات المركزية اليمنية للتفاوض بشان حقوق حضرموت ، وكل الكيانات السياسية الحضرمية بعد ذلك لم تتقدم خطوة بل انها تدور حول نفسها ولم تلتفت لها السلطات المركزية ابدا .
إن تأسيس المزيد من المجالس والكيانات السياسية التي تعقد الاجتماعات وتصدر البيانات وتدخل في حوارات داخلية، من دون امتلاك أدوات ضغط حقيقية، لن يقود إلى نتيجة مختلفة. قضية حضرموت لا تحتاج إلى كيان سياسي يفاوض نفسه، وإنما إلى مشروع سياسي يضع الطرف الآخر أمام استحقاق التفاوض.
ومن هنا يمكن التفكير في نموذج مختلف يقوم على الفعل السياسي المباشر والسلمي؛ كأن يكون هناك كيان سياسي يمتلك القدرة على الحشد والتنظيم، ويقيم اعتصامًا مفتوحًا أمام بوابة شركة بترومسيلة، وآخر أمام مقر إدارة المحافظة، ثم يوجه دعوة واضحة إلى السلطات المركزية اليمنية للتفاوض، إذا أرادت تجنب فرض ترتيبات جديدة على إدارة بترومسيلة أو تغيير السلطة التنفيذية في المحافظة .
عندها، لن يكون السؤال: من يحاور من؟ بل سيكون السؤال: ما الذي تريده السلطة المركزية للوصول إلى اتفاق مع حضرموت؟
وهنا تبدأ السياسة الحقيقية.
فالضغط السياسي المنظم يمكن أن يفتح الباب أمام اتفاقيات متدرجة، تتطور كل واحدة منها إلى مستوى أعلى من الاعتراف بالحقوق والمطالب الحضرمية. ومن خلال تراكم هذه الاتفاقيات يمكن بناء وضع سياسي وقانوني جديد، يضع قضايا السيادة والهوية وحق تقرير المصير في قلب أي تسوية مستقبلية.
دروس من تجربة الشيخ صالح بن حريز
وإذا عدنا إلى الوراء لاستلهام الدروس من بعض المحطات المهمة في مسار القضية الحضرمية، فإن تجربة الشيخ عمر بن حبريش والشيخ صالح بن حريز تستحق التوقف عندها، ليس باعتبارها أحداثًا عابرة، وإنما باعتبارها نماذج مختلفة من التفكير الاستراتيجي في ممارسة الضغط السياسي على السلطة.
ففي إحدى المحطات السابقة، وخلال عهد الرئيس عبد ربه منصور هادي، أُرسل وفد مدني وعسكري رفيع المستوى إلى الخيمة التي نصبها الشيخ صالح بن حريز أمام شركة بترومسيلة، وسألوه بصورة مباشرة: ماذا تريد؟
وكان جوابه، واضحًا ومباشرًا: اكتبوا اتفاقًا يتضمن أن حضرموت تدير شؤونها، وأن النفط تديره حضرموت، وأن يكون الحكم الذاتي خطوة أولى على طريق الوصول إلى الاستقلال الكامل.
بعيدًا عن تقييم المواقف السياسية أو الاتفاق والاختلاف معها، فإن اللافت في هذه التجربة هو طريقة إدارة التفاوض نفسها.
فالشيخ صالح بن حريز لم ينتظر أن حتى تفيق السلطات المركزية اليمنية من سباتها لتسمع قوله ، بل ان نصب الخيمة عند بترومسيلة كان بمثابة جهاز انذار ينبه السلطات المركزية الى ان تبدا بالتفاوض . لقد خلق واقعًا سياسيًا دفع السلطة إلى الحضور والسؤال عن المطالب.
وهنا تكمن قيمة التجربة.
فالسياسة، في جوهرها، ليست مجرد بيانات ومؤتمرات وكيانات تحمل أسماء سياسية؛ السياسة هي القدرة على تحويل المطالب إلى أوراق قوة، وتحويل أوراق القوة إلى تفاوض، وتحويل التفاوض إلى اتفاقات ملزمة.
ان الدرس الأهم الذي يمكن استخلاصه من تلك التجربة هو ضرورة الانتقال من سياسة الانتظار إلى صناعة الاستحقاق السياسي.
فالكيان الذي يريد تمثيل حضرموت يجب ألا تكون مهمته الأساسية عقد الاجتماعات أو إصدار البيانات، بل أن تكون لديه خطة واضحة:
تحديد المطالب الحضرمية بدقة، وعدم تركها شعارات عامة قابلة للتأويل.
خلق أدوات ضغط سلمية وقانونية تجعل تجاهل تلك المطالب مكلفًا سياسيًا.
دعوة السلطات إلى تفاوض مباشر بدل استنزاف الوقت في حوارات داخلية.
تحويل كل تفاوض إلى اتفاق مكتوب يتضمن التزامات واضحة وجداول زمنية وآليات تنفيذ.
البناء على كل اتفاق للوصول إلى مرحلة سياسية أعلى.
حضرموت لا تحتاج إلى المزيد من المتاهات
المشكلة ليست في عدد الكيانات السياسية التي تتحدث باسم حضرموت، وإنما في قدرة هذه الكيانات على إنتاج نتائج سياسية حقيقية.
فإذا كانت كل مؤسسة جديدة ستكرر الأسلوب ذاته—اجتماعات، بيانات، لجان، لقاءات، ثم انتظار—فإن النتيجة ستكون المزيد من استهلاك الوقت.
حضرموت تحتاج إلى مشروع سياسي يعرف إلى أين يريد الوصول، وكيف يصل، وما الأوراق التي يستطيع استخدامها في كل مرحلة.
أما الطريق الذي يجعل القضية تدور في حلقة مفرغة بين الكيانات الحضرمية نفسها، فلن يؤدي إلا إلى إطالة أمد الأزمة.
لقد أثبتت بعض المحطات السابقة أن الفعل الميداني السلمي عندما يكون منظمًا، ومسنودًا بمطالب واضحة، وقادرًا على إجبار السلطة على الجلوس إلى طاولة التفاوض، يمكن أن يكون أكثر تأثيرًا من عشرات البيانات السياسية.
والهدف النهائي، بالنسبة لمن يطالبون بحقوق حضرموت السياسية، ليس تأسيس كيان جديد لمجرد إضافة اسم إلى قائمة الكيانات، وإنما بناء قوة سياسية حضرمية قادرة على انتزاع الاعتراف بحقوق حضرموت، وصولًا إلى حقها في إدارة مواردها، وحماية هويتها، وتحديد مستقبلها السياسي بإرادة أبنائها.
حضرموت لا تحتاج إلى كيان يحاور نفسه؛ تحتاج إلى مشروع يضع الطرف الآخر أمام استحقاق التفاوض.ثم يجرها الى طاولة ومعاهدات .






