حتى نعرف من أين نُؤخذ.. التمايز طريق الحسم والتحرير في بلادنا !!!
بقلم / م. لطفي بن سعدون الصيعري.
الجمعة 7 أغسطس ٢٠٢٦م.
في معركة اليمامة ضد مسيلمة الكذاب، تعرض المسلمون في بداية القتال لانتكاسة خطيرة، حتى اخترق المرتدون صفوفهم وبلغوا معسكرهم. لكن سيف الله المسلول خالد بن الوليد رضي الله عنه لم يستسلم للهزيمة؛ بل أعاد تنظيم صفوفه، وأمر الجيش أن يتمايزوا حتى يعرف كل قوم مواقعهم وإخوانهم ومن أين يُؤخذون، فتحولت الفوضى إلى تماسك، والتماسك إلى هجوم كاسح، وانتهت المعركة بمقتل مسيلمة وسحق الردة.
وفي القادسية، استفاد المسلمون كذلك من تنظيم الصفوف وتمييز الجماعات والقبائل، فكان النصر الذي كسر ظهر الإمبراطورية الساسانية ومهد لسقوط المدائن.
اليوم نحن أمام معركة لا تقل خطراً، لكننا نرتكب الخطأ المعاكس: نخلط الأوراق ونخلط المسؤوليات، حتى لم نعد نعرف من يقاتل، ومن يحرر، ومن يدير، ومن يتحمل المسؤولية!
مرت أكثر من اثني عشر عاماً منذ سقوط صنعاء، وما زال الحوثي جاثماً عليها وعلى معظم الشمال. فأين الجدية في إعداد أبناء الشمال لتحرير أرضهم؟
في المقابل، عندما حصل قدر من التمايز المناطقي، استطاع الجنوب أن يوقف تمدد الحوثي، وصمدت مأرب، ووقفت حضرموت في وجه الإرهاب، وأسقط أبناؤها مشروع القاعدة في المكلا عام 2016م ، بعد أن انسحب من أمامها في ٢٠١٥م ، ١٣ لواء عسكري شمالي كانت متمركزة في ساحل حضرموت دون مقاومة تذكر.
وهنا تكمن الحقيقة التي يجب أن يواجهها الجميع:
الشمال لن يحرره إلا أبناؤه، كما أن حضرموت والجنوب ومأرب والساحل الغربي لن يحميها إلا أبناؤها.
وهذا يعني إعادة تنظيم المعركة على أساس واقعي وفعال.
أبناء الشمال للتحرير.. وأبناء المناطق المحررة للبناء والتنمية والخدمات والحماية وبناء القدرات العسكرية والأمنية والتصدي لهجمات الحوثي وايران .
وقد آن الأوان لإنشاء قيادة حرب شمالية حقيقية، تتولى إعداد أبناء الشمال عسكرياً ونفسياً وتنظيمياً، وتوحيد القبائل والقوى المناهضة للحوثي، وإطلاق حرب استنزاف حقيقية على جبهاته، وصولاً إلى ساعة تحرير صنعاء وبقية الشمال ، بدلا من حياة الترف والبذخ والترهل والنزوح للمناطق المحررة واللجوء للعواصم الاخرى للاسترزاق.
وفي المقابل، يجب أن تتفرغ قيادة المناطق المحررة لإدارة التنمية والخدمات، وبناء المؤسسات، ومحاربة الفساد، وحماية الموارد، وتعزيز الجيش والأمن والقدرات الدفاعية، بحيث تصبح حضرموت والجنوب ومأرب والساحل الغربي وتعز قواعد قوة وإسناد لمعركة التحرير وردع الاعتداءات الحوثية الايرانية.
فلا يجوز أن تبقى المناطق المحررة تدفع ثمن حرب لا تتقدم، بينما تعيش قيادات الدولة حياة الترحال والبذخ، وتتمدد وتتغول مؤسساتها الوظيفية القيادية على حساب الكهرباء والخدمات والتنمية ومعيشة الناس والقدرات الدفاعية.
لقد آن الأوان أن يعرف كل طرف مهمته.
قوات الشمال على الجبهات.. لا داخل المناطق المحررة
ينبغي إعادة انتشار القوات الشمالية في معسكرات قريبة من خطوط التماس، لتكون مهمتها التدريب والاستعداد والقتال واستنزاف الحوثي، لا التدخل في شؤون المناطق المحررة أو فرض واقع عسكري عليها.
أما الأمن داخل المناطق المحررة، فيجب أن يكون مسؤولية قواتها وأبنائها، حمايةً لأمنها واستقرارها وخصوصيتها.
وهذا يعني تقسيمٌ واضح للمهام حتى تنجح المعركة.
حكومتان بمهمتين.. وهدف واحد
ولإنهاء الترهل والتغول الوظيفي القيادي والفساد والنهب، يمكن اعتماد صيغة انتقالية تقوم على مسارين:
إدارة مصغرة للتحرير في الشمال: مهمتها الحرب، وتوحيد المقاومة، وإعداد أبناء الشمال لتحرير أرضهم.
وإدارة للمناطق المحررة: مهمتها التنمية والخدمات والاستقرار، ومحاربة الفساد، وبناء المؤسسات، وتعزيز القدرات العسكرية والأمنية، لمواجهة الاعتداءات الإيرانية الحوثية واإسناد معركة التحرير.
حكومتان بمهمتين مختلفتين، لكن بهدف وطني واحد: إسقاط المشروع الحوثي واستعادة الدولة.
إلى الأشقاء في المملكة والمجتمع الدولي
لا نحتاج إلى إدارة الأزمة إلى ما لا نهاية، ولا إلى بيانات جديدة وخطابات جديدة.
نحتاج إلى تغيير قواعد اللعبة.
المملكة العربية السعودية والمجتمع الدولي أمام فرصة لدعم استراتيجية واضحة: تمكين أبناء الشمال من تحرير أرضهم، وتمكين أبناء المناطق المحررة من بناء مناطقهم وحمايتها، وتجفيف منابع الفساد، وتعزيز القدرات العسكرية والأمنية، وانهاء الاعتداءات الإيرانية الحوثية ، ودعم معركة استعادة صنعاء.
فالحوثي لم يعد خطراً على اليمن وحده؛ بل أصبح تهديداً للمملكة ولأمن المنطقة والملاحة الدولية، وأداة للمشروع الإيراني في المنطقة.
لقد بلغ السيل الزبى.
إما أن نعيد تنظيم صفوفنا ونحدد مسؤولياتنا ونبدأ معركة حقيقية، أو نظل ندور في الحلقة ذاتها عاماً بعد عام.
لقد قالها خالد بن الوليد عملياً في اليمامة وسعد ابن ابي وقاص في القادسية رضوان الله علبهم : تمايزوا.. حتى نعرف من أين نُؤخذ.
واليوم نقولها بوضوح:
ليتمايز الشمال للتحرير، ولتتمايز المناطق المحررة للبناء والحماية، ولتتحد كل القوى في هدف واحد: تحرير صنعاء، وإسقاط المشروع الحوثي، واستعادة حضرموت والجنوب واليمن.
فمن أراد تحرير أرضه فليحمل سلاحه إليها، ومن أراد بناء دولة فليبدأ ببنائها حيث تحررت الأرض.
كفى خلطاً للأوراق.. كفى ترهلاً.. كفى إدارةً للحرب بلا حرب.
آن أوان الحسم وإنهاء اعتداءات الحوثي الإيراني. وإن غدا لناظره قريب.






