اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

حين تعجز السياسة عن سماع الناس

حين تعجز السياسة عن سماع الناس

الجمعه 7أغسطس 2026م
بقلم/ عوض باشعيوث

ليس أخطر على الأوطان من وجود فراغ سياسي يتخفى خلف ازدحام الأحزاب والمكونات. ففي اليمن تبدو الساحة السياسية مكتظة بالأسماء واللافتات والبيانات، لكنها تعاني في الحقيقة فراغاً سياسياً عميقاً، حتى أصبح المشهد أقرب إلى ضجيجٍ بلا سياسة، وحضورٍ شكلي يخلو من أي تأثير حقيقي في حياة الناس.

الشارع اليمني لا يعيش أزمة اهتمام بالسياسة، بل يعيش أزمة ثقة بمن يمارسونها. فالمواطن الذي يواجه يومياً أعباء المعيشة، وانعدام الأمن، وضبابية المستقبل، لا يجد من يصوغ همومه بلغة يفهمها، ولا من يحول مخاوفه وآماله إلى مشروع سياسي يلامس واقعه، أو يرتب أولوياته بما ينسجم مع متطلبات هذه المرحلة الاستثنائية.

المفارقة المؤلمة أن كثيراً ممن تفرغوا للعمل السياسي لم يعودوا يفهمون الشارع الذي يدّعون تمثيله. لم يعودوا قادرين على قراءة نبضه، أو ترجمة ما يقوله وما يخشاه وما ينتظره. يتحدثون بلغة خشبية محفوظة، ويكررون مفردات سياسية استهلكها الزمن حتى فقدت معناها، ثم يتساءلون باستغراب: لماذا لم يعد الناس يستمعون إلينا؟

لقد اتسعت المسافة بين محترفي السياسة والناس حتى أصبح كل طرف يعيش في عالم مختلف. المواطن يتحدث عن لقمة العيش، والخدمات، والتعليم، والدواء، والأمن، وفرص المستقبل. بينما ينشغل السياسي بالبيانات، والتوازنات، والمحاصصات، والمواقع، وتقاسم النفوذ. وهكذا غابت السياسة بوصفها أداة لخدمة المجتمع، وحضرت بوصفها وسيلة لإدارة مصالح النخب.

إن الإفلاس الحقيقي ليس اقتصادياً فحسب، بل هو إفلاس طبقة سياسية عجزت عن أن تسمع الناس قبل أن تطلب منهم أن يسمعوها. فالاستماع إلى المجتمع ليس ترفاً سياسياً، بل هو نقطة البداية لأي مشروع وطني يمتلك فرصة البقاء والاستمرار.

السياسة التي تنفصل عن حياة الناس تتحول إلى خطبٍ بلا جمهور، وشعاراتٍ بلا أثر، وتنظيماتٍ بلا روح. أما السياسة الحقيقية فهي التي تبدأ من الإنسان، من احتياجاته اليومية، ومن تطلعاته، ومن حقه في حياة كريمة وآمنة ومستقرة.

ويبقى الفارق بين الوطنية كشعار والوطنية كقيمة أخلاقية عميقاً، وتختصره المقولة البليغة: “هناك أناس يسكنون الوطن، وهناك أناس يسكنهم الوطن.” وبين العبارتين تتحدد قيمة السياسي، ويُعرف من يحمل همَّ الوطن حقاً، ومن يحمل فقط لافتة السياسة.

لقد آن الأوان لاستعادة السياسة من أسر الشعارات، وإعادتها إلى حيث الناس، حيث تبدأ كل شرعية، وتنتهي كل أوهام السلطة المنفصلة عن مجتمعها.

إغلاق