قوات الطوارئ والقصة الكاملة .. الأولى نموذجا
إعداد عبد العليم سنان
تعتبر الحدود البرية اليمنية السعودية ثاني أطول امتدادٍ حدودي بري بين دولتين عربيتين وفي الشرق الأوسط عموما، بطول يبلغ حوالي 1458 كيلومترا، يبدأ من نقطة التقاطع الثلاثية مع سلطنة عمان في الربع الخالي شرقًا وصولاً إلى شواطئ البحر الأحمر شمال ميدي غربا، ويربط محافظات حجة وصعدة والجوف وحضرموت اليمنية ، مع كل من مناطق جيزان وعسير ونجران والشرقية السعودية..
شهدت هذه الحدود بعد معاهدة جدة التاريخية عام 2000م بين البلدين استقرارًا كبيرًا، إلى أن أعلن الحوثيون انقلابهم على الدولة في العام 2014م، ومن ثم تشكيل تحالف دعم الشرعية في اليمن بطلب من الرئيس عبدربه منصور هادي، وإعلان عاصفة الحزم في شهر مارس من العام 2015 ، حينها بدأت التهديدات الحدودية في التصاعد النسبي،
فبعد الانقلاب الحوثي ونهب معسكرات الدولة أعلنوا عن مناورات عسكرية على الحدود واستفزاز المملكة العربية السعودية، لكنه تم التعامل مع الأمر بشكل قوي وحازم.
لتبدأ بعدها مسيرة القوات اليمنية على الشريط الحدودي، صعودًا استراتيجيًا ومدروسًا في تاريخ المؤسسة العسكرية اليمنية الحديثة.
كانت هناك بعض الألوية العسكرية على امتداد الحدود وخاصة في حجة وصعدة والجوف لكن لم تشهد تلك المناطق بصمات نوعية قوية في التقدمات الميدانية نحو العمق اليمني إلى ما قبل نهاية عام 2015م ..
ومنذ أواخر عام 2016 حتى عام 2026، شهدت التشكيلات العسكرية الحدودية تحولات جوهرية نقلت هذه القوات إلى مستوى متقدم وقوة نظامية ضاربة تحت مسمى “قوات الطوارئ اليمنية”، كيف؟
على حدود صعدة، بدأت إحدى المحطات الهامة خلال الأشهر الأخيرة من العام 2016م، وقد انطلقت هذه المرحلة من نقطة الصفر تقريبًا، وفيها تولى العميد/ ياسر المعبري، مهمة تجميع الضباط والجنود من مختلف المحافظات داخل معسكرات التدريب في منطقتي العبر والوديعة، بدعم وإشراف كامل من التحالف العربي، ليُعلن رسميًا عن تأسيس اللواء 84مشاة أو ما يعرف بلواء الفتح.
وقد أسهم المعبري، القادم من المؤسسة العسكرية اليمنية، في تنظيم وقيادة لواء الفتح كقوة محورية شاركت إلى جانب بعض التشكيلات الميدانية هناك، في عمليات اقتحام وتطهير منفذ البقع البري ومحيطه الجغرافي، وتثبيت السيطرة على جبال “الثأر” و”حبش” والمرتفعات الحاكمة، بالإضافة إلى معسكر اللواء 101 مشاة، مُحققا بذلك نجاحًا ميدانيا كبيرا تمثل بالتقدم إلى عمق محافظة صعدة ومديرية كتاف تحديدًا، الأمر الذي تحولت بناء عليه جبهة البقع وكتاف إلى قاعدة انطلاق لوجيستية متقدمة لقطع خطوط إمداد الحوثيين وتأمين تلك الحدود كاملة.
ومع بداية العام 2018م، انتقل القائد المعبري بقرار رئاسي ليتولى قيادة اللواء 102 مشاة، في جبهة باقم (شمال محافظة صعدة)، وهي منطقة اتسمت بأعقد التضاريس الجبلية والتحصينات الهندسية وحقول الألغام الكثيفة التي زرعتها كتائب النخبة الحوثية لحماية معقلها الأول.
في باقم، انطلق أبطال اللواء 102 مشاه لتجسيد بصماتهم النوعية عبر العديد من النجاحات الميدانية، بدأت بالسيطرة على جبل وعواع ومن ثم سلسلة جبال ضراوي وعدد من المرتفعات والأودية والقرى بعمق أكثر من عشرين إلى ثلاثين كيلو طولا وعرضا.
مع استمرار الانجازات الميدانية والإدارية، تحول اللواء 102 إلى محور عسكري سمي بمحور آزال، وواصل المحور عملياته القتالية التي أدت إلى دحر ميليشيا الحوثي ، حتى التحمت ألوية آزال مع قوات محور علب في الجهة الأخرى لتتمكن من تحرير جبال أبواب الحديد وغيرها من المرتفعات الشاهقة التي طالما راهن الحوثيون على عدم الوصول إليها، لكن كان للأبطال طريقتهم الخاصة في صناعة الانتصارات وأسلوبهم الاحترافي في تسطير وتخليد بصماتهم التي أوصلتهم بعد معارك ضارية شهدها العامان 2018 وبداية العام 2019 إلى مشارف مركز مديرية باقم.
استمرت القوات في تثبيت مواقعها بعد هدنة غير معلنة قيدت التقدمات من الطرفين، في حين كانت تتشكل بعض الألوية العسكرية وتخوض معاركها في مناطق أخرى من الحدود. من محور الرزامات شرقا إلى محاور رازح ومران وآل ثابت غربا، بعد أن انتقلت لتشكيل بعضها قيادات سابقة في محور آزال.
لم تعد قوات محور آزال حبيسة مواقع وتحصينات الحدود الجبلية، بل استغل العميد المعبري حالة التهدئة لإعادة تدوير وتنظيم قواته، وتوجيه وحدات نوعية وتعزيزات ضخمة منها لإسناد جبهات الدفاع المستميت في كل من محافظتي الجوف ومأرب، حيث شاركت كتيبة مجهزة في الجوف، وبعدها تم إرسال كتيبتين قتاليتين مجهزتين للدفاع عن محافظة مأرب خلال الهجوم الذي شنه عليها الحوثيون في العامين 2020/2021م.
وقد انطلقت كتيبتا شهداء العبدية ومأرب، التابعة لمحور آزال إلى أداء مهمتها بكل ما يحتم عليها الواجب الوطني تقديمه من تضحيات، ورابطت الكتيبتان لأكثر من عامين في جبهة البلق الشرقي بمأرب قبل أن تتسلم مواقعها قوات المنطقة الثالثة هناك.
مع دخول الهدنة الأممية حيز التنفيذ في شهر أبريل من العام 2022م تراجعت حدة الاشتباكات المباشرة على الحدود، واقتضت الرؤية العسكرية المشتركة توحيد مجموع المحاور الممتدة على طول شريط صعدة الحدودي تحت غطاء عملياتي موحد أُطلق عليه اسم “قوات اليمن السعيد”.
كانت هذه القوات هي النواة الأولى لتشكيل قوات الطوارئ اليمنية، وبينما كان محور آزال مستمرا بأداء مهامه العسكرية في نطاق سيطرته بمديرية باقم، كان العميد المعبري يؤسس ألوية جديدة، ذات تدريبات تكتيكية محترفة، وهيكل عسكري نظامي حديث، ومؤسَس بكفاءة عالية يحمل اسم الفرقة الأولى طوارئ.
وبهذا رسم العميد/ ياسر عبد الله المعبري (“أبو عبيدة”) مسارًا عسكريًا نوعيًا، على مدار عقد كامل (2016 – 2026). تحول خلاله من قائد ميداني في متاريس مناطق صعدة الوعرة إلى أحد أهم مهندسي التشكيلات العسكرية النظامية في الجيش اليمني.
جاء إعلان تشكيل قوات الطوارئ اليمنية بقرار رئاسي لتضم في مجموعها ست فرق عسكرية ومن ثم توزيعها على نطاقات عسكرية مختلفة ابتداء من منطقة مران بمحافظة صعدة وانتهاء بمنطقتي العبر والوديعة وغيرها من المديريات الحدودية في محافظة حضرموت.
وفي حين رابطت عدد من فرق قوات الطوارئ اليمنية في مواقعها السابقة على امتداد الشريط الحدودي، انتقل محور آزال ضمن الفرقة الأولى طوارئ مع نهاية العام 2025م، وأصبحت القوات جاهزة لتخوض اختبارها الأول في محطتها الجديدة.
كانت قد سيطرت قوات المجلس الانتقالي الجنوبي على المحافظات الشرقية – حضرموت والمهرة- نهاية العام2025 م ، وبعد فشل المحاولات معه لتسليمها والخروج منها، أعلن فخامة رئيس مجلس القيادة الدكتور رشاد العليمي حالة الطوارئ في الجمهورية اليمنية، وانطلقت قوات الطوارئ بفرقتيها الأولى والثالثة لتتولى مهمة استعادة حضرموت، أكبر محافظات اليمن، وهو ما اعتُبر دليلا دامغا بل وبصمة نوعية أخرى تمثلت في نجاح هذه القوات بمهماتها في وقت قياسي شهد له الميدان قبل أن يشهد له الآخرون.
نجحت الطوارئ في مهمتها وتم تسليم المحافظة لقوات درع الوطن، وأُعيد انتشار ألوية الطوارئ الأولى لتأمين المفاصل الجغرافية الحيوية للشرعية، وتحديدًا في منطقة العبر بمحافظة حضرموت وتفرعاتها إلى كل من خط شبوة والخشعة ومأرب والوديعة، وهناك تولت تأمين هذه الخطوط الدولية، والمناطق الصحراوية المتاخمة للجوف، ومكافحة التسلل والتهريب، وضبط التوازنات الأمنية بما يخدم استقرار اليمن وجيرانه.
لم يكن قبل العام 2026م يُسمع كثيرًا بحجم عمليات التقطعات والتهريب على أنواعه بين تهريب الممنوعات والأسلحة والمشتقات النفطية عبر صحراء حضرموت إلى الأسواق السوداء، والتي مثلت مسارا لوجستيا خطيرا كان يعتمد عليه الحوثيون بشكل كبير.
خاضت الفرقة الأولى طوارئ بقيادة اللواء المعبري حربا شرسة في هذا الجانب وحققت الكثير من النجاحات الميدانية وضبط عمليات التهريب المتنوعة وما أكثرها، ما جعلها محل استهداف للكثير من المتضررين من ضبط الأمن والاستقرار في المنطقة؛ الذين يعيشون على التهريب والتخريب والارهاب التقطعات.
حيث لوحظ مؤخرا ظهور الكثير من العمليات الممنهجة لاستهداف الفرقة وقياداتها والخط الدولي، في سلوك واضح تستخدمه بعض القوى المأزومة لشيطنة وإسقاط الناجحين في ظل هذه الحرب المفتوحة على الدولة ومن يريد بسط نفوذها ومنطقها في مواجهة المخربين والمتمردين.
يعود الأمر هنا لقيادة الدولة والجيش؛ فهل ستحقق للمتربصين أهدافهم؟!، أم ستستمر في دعم كفاءاتها خاصة والوطن ينتظر تكاتف جميع السواعد لاستعادة ذاته ودولته وعاصمته؟.






