ليست حربًا على إيران… بل على شكل العالم القادم
( #تاربة_اليوم ) / كتابات وآراء
كتب : م. صالح بن،سعيد المرزم
5 اغسطس 2026
ليست كل الحروب تُخاض من أجل الأرض…
وليست كل الأزمات تُصنع من أجل إسقاط نظام…
وأحيانًا، لا يكون الهدف من إشعال النار هو الانتصار في المعركة، بل إعادة بناء العالم على أنقاضها.
لهذا، فإن أكبر خطأ يمكن أن نقع فيه اليوم هو قراءة أحداث الشرق الأوسط باعتبارها سلسلة أزمات منفصلة؛ ضربة هنا، وردًا هناك، ومفاوضات تتعثر، ثم وساطات تعود، ثم هدنة مؤقتة، ثم تصعيد جديد.
لقد جربنا هذا السيناريو مراتٍ لا تُحصى، حتى أصبح مألوفًا إلى درجة تدفع البعض للاعتقاد بأن المنطقة تعيش حالة عبث سياسي دائم.
لكن ماذا لو لم تكن الفوضى هي المشكلة…
بل كانت هي الخطة؟
هذا السؤال ليس اتهامًا، ولا تبنيًا لنظرية مؤامرة، بل محاولة لفهم التحولات الكبرى التي يشهدها العالم بعيدًا عن الانفعال السياسي.
فعندما كتبت في «الشيطان الإيراني هو التفاصيل»، كنت أقول إن الخطر الحقيقي لا يكمن في التصريحات، بل في التفاصيل الصغيرة التي تُدار بها الأزمات.
وفي «حوار الطرشان» أشرت إلى أن المنطقة تدور داخل حلقة مفرغة، لأن جميع الأطراف تحتاج إلى استمرار الأزمة أكثر من حاجتها إلى إنهائها.
ثم جاء «إيران بعد الحرب» ليؤكد أن الضربات العسكرية قد تغيّر المشهد، لكنها لا تغيّر قواعد اللعبة.
واليوم أجد أن جميع تلك المقالات كانت تشير إلى حقيقة واحدة:
لسنا أمام أزمة شرق أوسطية…
بل أمام مخاض نظام عالمي جديد.
لقد تأسس النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية على مبدأ الاعتماد المتبادل؛ تجارة حرة، وسلاسل إمداد عابرة للقارات، وهيمنة الدولار، ومؤسسات دولية تنظم الاقتصاد والسياسة.
لكن هذا النموذج بدأ يتآكل منذ سنوات.
جائحة كورونا كشفت هشاشة سلاسل الإمداد.
والحرب في أوكرانيا كشفت أن الطاقة يمكن أن تتحول إلى سلاح.
والذكاء الاصطناعي أدخل العالم في سباق سيادي على التقنية.
أما الشرق الأوسط، فقد أعاد التذكير بحقيقة لم تتغير منذ عقود:
أن شريان الطاقة العالمي ما زال يمر من هنا.
ومن هنا، يصبح السؤال مختلفًا تمامًا.
لم يعد السؤال:
من سينتصر على من؟
بل:
من سيملك مفاتيح الاقتصاد العالمي في العقد القادم؟
إن السيطرة في القرن الحادي والعشرين لم تعد تعني احتلال المدن.
بل تعني امتلاك الموانئ…
والمعادن النادرة…
والرقائق الإلكترونية…
والبيانات…
والغذاء…
والطاقة…
وممرات الملاحة.
ومن يملك هذه العناصر، لا يحتاج إلى احتلال أحد.
يكفي أن يتحكم في تدفقها.
ولهذا فإن أي قراءة تختزل ما يجري في الشرق الأوسط باعتباره صراعًا عسكريًا فقط، تتجاهل البعد الاقتصادي الذي أصبح أكثر تأثيرًا من المدافع والطائرات.
النفط لم يعد مجرد سلعة.
بل ورقة ضغط.
والغاز لم يعد مجرد مصدر للطاقة.
بل أداة لإعادة رسم التحالفات.
أما الغذاء، فقد تحول إلى أحد أخطر عناصر الأمن القومي.
وهنا تبرز فرضيات عديدة في الأوساط الأكاديمية والإستراتيجية، ترى أن القوى الكبرى لم تعد تسعى إلى إدارة النظام العالمي القديم، بل إلى إعادة تشكيله وفق معادلات جديدة تقوم على الاكتفاء الذاتي، وتقليل الاعتماد على الخصوم، وتأمين الموارد الحيوية داخل نطاقات جغرافية آمنة.
قد يختلف الباحثون حول مدى صحة هذه الفرضيات أو حدودها، لكنها تعكس تحولًا واضحًا في التفكير الإستراتيجي العالمي.
فالاقتصاد لم يعد منفصلًا عن الأمن.
والتجارة لم تعد منفصلة عن الجغرافيا السياسية.
والتقنية لم تعد منفصلة عن النفوذ.
وفي قلب هذه المعادلة يقف الشرق الأوسط.
ليس لأنه اختار هذا الموقع…
بل لأن التاريخ والجغرافيا وضعاه في مركز اللعبة.
ومن هنا، فإن أخطر ما قد يحدث ليس اندلاع حرب واسعة.
بل استمرار المنطقة في حالة “اللاحسم”.
حالة لا حرب كاملة…
ولا سلام دائم…
ولا استقرار يسمح بالازدهار…
ولا انهيار يُنهي الصراع.
إنها بيئة مثالية لإعادة هندسة التوازنات الدولية، بينما تبقى شعوب المنطقة هي من يدفع الفاتورة.
أما المملكة العربية السعودية، فتبدو من أكثر الدول التي قرأت هذا التحول مبكرًا.
فرؤية 2030 لم تكن مجرد خطة اقتصادية، بل مشروع لإعادة تموضع المملكة داخل النظام العالمي القادم؛ عبر تنويع الاقتصاد، وتعزيز أمن الطاقة، والاستثمار في التقنيات المتقدمة، وبناء سلاسل لوجستية وصناعية، وتحويل الموقع الجغرافي إلى ميزة إستراتيجية.
وهنا يكمن الفارق بين دولة تستعد للمستقبل…
ودولة تنتظر أن يفرض المستقبل نفسه عليها.
ربما لا نعرف كيف سينتهي الصراع الحالي.
لكننا نعرف أن العالم الذي سيخرج منه لن يشبه العالم الذي سبقه.
ولذلك، فإن السؤال الذي يجب أن يشغلنا ليس:
من سيربح الحرب؟
بل:
من سيكون مستعدًا لليوم الذي يليها؟
لأن التاريخ يعلمنا أن المنتصر الحقيقي ليس دائمًا من يكسب المعركة…
بل من يفهم مبكرًا شكل العالم الذي ستصنعه تلك المعركة.
*`المقالات التي يتم نشرها لاتعبر الا عن راي الكاتب فقط ولا تعبر بالضرورة عن سياسة الموقع`*






