حين يباع الضمير بالفتات… هكذا تدار الأزمات
بقلم / أ. طارق عمر العامري
الاثنين 3أغسطس 2026
أثناء نقاش مع بعض الزملاء حول الخلية المتهمة باغتيال مراسل قناتي العربية والحدث استوقفنا أمرا أثار استغراب أحد الحاضرين وهو ما ورد في اعترافات المتهم الثاني الذي ذكر أنه تسلم مبلغ 300 ألف ريال يمني مقابل تنفيذ المهمة الموكلة إليه، والمتمثلة في زرع عبوة ناسفة في سيارة الإعلامي بينما حصل المتهم الأول على 10 آلاف ريال سعودي ليمنح شريكه مبلغا لا يتجاوز ما يعادل أقل من ألف ريال سعودي. وهناك اخرون استلموا أكثر من ذلك حسب التسلسل في الخليةوان لم يفصح عنهم
هذه الجزئية وإن بدت للبعض مجرد تفصيل في القضية فإنها تعكس جانبا من طبيعة الصراع الذي تعيشه اليمن فهناك من يغامر بحياته ودينه ومستقبله مقابل فتات من المال بينما يجني آخرون المكاسب الكبرى ويبقون بعيدين عن المخاطريخططون ويوجهون ويحصدون الثمارفي حين يتحمل غيرهم التبعات.
ولا يقتصر هذا المشهد على الأعمال الإجرامية بل يمتد إلى ميادين أخرى.
فكم من صحفي أو ناشط في وسائل التواصل الاجتماعي يسخر قلمه أو حسابه للهجوم على الآخرين أو التشهير بهم أو نشر الاتهامات والافتراءات وفقا لتوجيهات من هم أعلى منه مقابل مكاسب محدودة بينما يستفيد أصحاب القرار الحقيقيون من هذه الحملات لتحقيق مصالحهم السياسية أو الشخصية.
وينطبق الأمر ذاته على بعض المكونات والأحزاب حيث تدفع القواعد إلى التراشق بالاتهامات وتبادل أوصاف الخيانة والعمالة دون إدراك لحجم المسؤولية الأخلاقية والدينية المترتبة على تلك الممارسات. وفي النهايةيبقى أصحاب النفوذ هم المستفيد الأكبر بينما يكتفي البسطاء بفتات لا يساوي ما يخسرونه من علاقاتهم وسمعتهم ومستقبلهم ودينهم.
ولا يختلف الأمر في بعض دوائر السلطة حيث يتحول بعض الإعلاميين والناشطين إلى أدوات لتلميع المسؤولين وتبرير الفشل والتغاضي عن الفساد مقابل امتيازات أو مكاسب شخصية. وعندما يصبح تبرير الخطأ وسيلة للكسب فإن الفساد لا يعود مسؤولية الفاسد وحده بل يمتد إلى كل من يساهم في تزيينه أو الدفاع عنه أو تضليل الرأي العام بشأنه.
إن أخطر ما تواجهه اليمن اليوم ليس فقط الأزمات السياسية أو الاقتصادية، بل ترسيخ ثقافة بيع المواقف مقابل الفتات. فالأوطان لا تنهار عندما يفسد الكبار وحدهم وإنما عندما يقبل الصغار بأن يكونوا أدوات في مشاريع لا تخدم إلا أصحاب المصالح.
ولعل السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل واحد منا على نفسه هو: كم يساوي ضميري؟ وهل يستحق أي مبلغ مهما كان أن أخسر بسببه ديني ووطني واحترام الناس وراحة الضمير؟
إن إصلاح اليمن لن يبدأ من الاتفاقات السياسية وحدها ولا من تغيير الأشخاص فقط بل يبدأ عندما يدرك الجميع أن الكلمة أمانةوأن الموقف مسؤولية وأن الوطن أكبر من أي حزب وأغلى من أي منصب وأبقى من أي مكسب مؤقت.
فمن يبيع ضميره اليوم مقابل الفتات قد يكتشف غدا أنه خسر كل شيء… بينما بقي الوطن هو الخاسر الأكبر.






