اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

أيها الشاكي كن جميلاً

أيها الشاكي كن جميلاً

بقلم/عبدالله سعد الدقيل
الاثنين 3 اغسطس 2026

في زحمة الحياة وتصاعد ضغوطها اليومية، يميل الإنسان أحياناً إلى الاستغراق في الشكوى والتركيز على السلبيات، مستنزفاً طاقته النفسية في أوهام ومخاوف لم تقع بعد. وفي وسط هذا الضجيج، يأتي صوت الشاعر المبدع إيليا أبو ماضي ليكتب دعوة مفتوحة للتفاؤل والتأمل، متمثلة في بيتيه الخالدين:
“أَيُّهَا الشَّاكِي وَمَا بِكَ دَاءٌ… كَيْفَ تَغْدُو إِذَا غَدَوْتَ عَلِيلا؟
/ أَيُّهَا الشَّاكِي كُنْ جَمِيلاً… تَرَ الوُجُودَ جَمِيلا”*.
يمثل هذان البيتان جوهر الإنسانية التي تهدف إلى تنقية النفس وإعادتها إلى فطرتها السليمة المحبة للحياة.
يبدأ الشاعر قوله بنداء يحمل في طياته الاستنكار والتعجب من حال من يشتكي . ويستوقفنا التساؤل العميق الذي يطرحه: إذا كنت تستهلك طاقتك بالشكوى والجزع وأنت في أتم الصحة والعافية، فكيف سيكون حالك وموقفك لو ألمّ بك المرض أو البلاء فعلاً؟ إن هذه الشكوى المسبقة لا تمنع المصائب، بل تسلب المرء لذة اللحظة الحاضرة وتجعله يعيش العلة مرتين: مرةً بالخوف والترقب، ومرةً بوقوعها الفعلي.
ومِن هذا التأسيس لما يعانيه الإنسان من قلق وهمي، ينطلق أبو ماضي إلى وضع القاعدة الذهبية لراحة البال ورؤية العالم. فالجمال في حقيقته ليس مجرد معطىً خارجي مطلق، بل هو انعكاس جليّ لما تحمله النفس بين جنبيها. فالروح المظلمة المحملة بالتشاؤم ترى في الورد شوكاً وفي الشمس حرارة حارقة، بينما ترى الروح الجميلة المتفائلة في الورد عطراً ولوناً وفي الشمس ضياءً ودفئاً. الكون في أصله متوازن، لكن العين التي تنظر إليه هي التي تمنحه ألوانه وتحدد كيف نراه.
ولعل تطبيق هذه الأبيات في واقعنا اليومي يحثنا على ممارسة الامتنان للنعم الحاضرة بدلاً من استنزاف العمر في الحسرة على المفقود. إن التغاضي عن صعوبات الحياة وتقبل تقلباتها بصدر رحب يفتح للعين آفاقاً جديدة لرؤية النور وسط الظلام والنظر إلى العقبات كفرص للنمو لا كعراقيل تهدم الأمل.
ختاماً، تتجلى أبيات إيليا أبي ماضي لا كشرط شعري أو كلمات موزونة تُردد فحسب، بل كوصفة علاجية للنفس لنزع نظارة التشاؤم، وزراعة الرضا والجمال في أعماقنا ، ليشيع ذلك الجمال على كل ما حولنا من أشخاص ومواقف وأحداث، فمن أشرقت في ذاته أنوار القناعة والجمال، أصبح العالم في عينيه بستاناً يفيض بالحياة.

إغلاق