حتى كفار قريش لم يفعلوا مافعلتم !
بقلم | صالح برك الجابري
الجمعة 31 يوليو 2026
«انأكل الطعام ونلبس الثياب، وبنو هاشم جوعى»… عبارةٌ تُروى عن كفار قريش، في واحدة من أكثر مراحل العداء للنبي ﷺ وبني هاشم، حين فُرض عليهم حصارٌ استمر نحو ثلاث سنوات في شِعب أبي طالب.
نحن هنا لا نبرئ كفار قريش من كفرهم وعداوتهم للرسول ﷺ، ولا ننسى ما ارتكبوه من ظلمٍ وتعذيبٍ وحرب، لكن التاريخ يذكر لنا موقفًا لا يخلو من دلالة: أن بعضهم، بعد أن طال الحصار، شعر أن الأمر تجاوز حدود الخصومة، وأن بني هاشم، رغم العداوة، قومٌ وأرحام، وأن استمرار تجويعهم إلى ما لا نهاية سيجعل قريشًا موضع مسبة بين العرب.
فماذا فعلوا؟
تحركت فيهم حمية الجاهلية، وانتفضت فيهم بقية من مروءة، وسألوا أنفسهم سؤالًا بسيطًا:
كيف نأكل ونلبس ونعيش، وبنو هاشم جوعى؟ ثم تم فك هذا الحصار.
وهنا، اسمحوا لي أن أطرح سؤالًا أكثر بساطة:
كيف استطاع كفار قريش أن يشعروا بالجوع الذي لم يصب بطونهم، وعجز بعض مسؤولينا المسلمين عن الشعور بالجوع الذي يطرق أبواب اليمنيين كل يوم؟
كفار قريش حاصروا بني هاشم ثلاث سنوات، ثم شعروا أن المدة طالت!
أما بعض مسؤولينا، فقد حاصروا شعبًا كاملًا لعقود، ويبدو أن لديهم تعريفًا مختلفًا تمامًا لكلمة «طويلة»؛ فكلما مرت سنة قالوا: اصبروا، وكلما مرت عشر سنوات قالوا: الظروف استثنائية، وكلما مرت عقود قالوا: نحن نعمل على وضع خطة لمعالجة آثار الأزمة! الا تعساً لكم.
لقد أصبح المواطن يعيش في حصارٍ متعدد الجبهات: حصار في راتبه، وحصار في صحته، وحصار في تعليم أبنائه، وحصار في الخدمات، وحصار في مستقبله… حتى أصبح السؤال ليس: متى تنتهي الأزمة؟ بل: هل كانت هناك حياة طبيعية أصلًا، أم أننا كنا نحلم بها فقط.
والبلاد التي كانت تملك النفط والغاز والثروة السمكية والموانئ والأراضي الزراعية وغيرها من الموارد، أصبح المواطن فيها يتعامل مع أبسط احتياجاته وكأنها من الكماليات الفاخرة.
فرجال السلطه في بلادنا يطالبون المواطن بالتضحية، بينما أسرهم تعيش بعيدًا عن التضحية.
ومنهم من يطالبه بالصبر، بينما حساباتهم البنكية لا تعرف معنى الصبر.
ومن يحدثه عن الوطن، بينما أولاده يتعلمون في الخارج، وعلاجهم في الخارج، وإقامتهم في الخارج، وربما مستقبلهم أيضًا في الخارج.
وكأن المطلوب من المواطن ألا يعيش فقط… بل أن يبتسم أثناء الغرق!
وهنا تعود بنا المقارنة إلى كفار قريش، لا إعجابًا بهم، ولكن عجبًا من المفارقة:
أولئك كانوا أعداء للنبي ﷺ، ومع ذلك وجد فيهم من قال: كيف نأكل ونلبس وبنو هاشم جوعى؟
أما حكام هذه البلاد ومسئولوها الذين يتحدثون اليوم باسم الإسلام والوطن، فقد يبدو سؤالهم مختلفًا قليلًا:
كيف نجوع نحن، و الشعب ما زال عندهم شيء لم نأخذه؟
ولعل أكثر ما يختصر مأساة هذا الشعب ذلك المشهد الذي تناقله الناس من شوارع صنعاء، لرجلٍ لم يطلب منصبًا ولا وظيفةً ولا مشروعًا، ولم يرفع شعارًا سياسيًا، بل مرّ في الشارع ينادي باعلى صوته: «أنا جاوع». صوره فيها امتهان لكرامه اليمني الذي قرن اسمه بالعزه والكرامه.
لكن العجيب أن العبارة هزّت قلوب الناس جميعاً، ولم تهزّ كراسي المسؤولين!
إن المأساة ليست في وجود الفاسدين فقط، فكل مجتمع قد يبتلى بفاسد أو ظالم، وإنما المأساة حين يصبح الفساد نظامًا، والفشل سياسة، والنهب وظيفة، والصمت فضيلة، ثم يُطلب من الناس أن يصفقوا لأن المسؤول لم يسرق كل شيء دفعة واحدة!
أيها المسؤولون، لا نطالبكم بمروءة كفار قريش؛ فهذه، على ما يبدو، أصبحت مطالبةً طموحةً أكثر من اللازم.
لكننا نطالبكم بشيء أبسط:
أن تتذكروا أن هذا الشعب بشر.
له أطفال يجوعون، ومرضى يتألمون، وشباب ضاعت أعمارهم، وآباء عجزوا عن توفير أبسط احتياجات أسرهم.
وتذكروا أن المناصب لا تجعل الإنسان خالدًا، وأن الكرسي الذي تجلسون عليه سيجلس عليه غيركم، وأن المال الذي تجمعونه لن يصطحبكم إلى القبر، وأن الشعارات التي ترفعونها لن تنفعكم حين تُفتح دفاتر الحساب.
فإن عجزتم عن أن تكونوا رجال دولة، فكونوا على الأقل أصحاب ضمير.
وإن عجزتم عن إنقاذ الوطن، فلا تزيدوا في نهبه.
وإن لم تستطيعوا أن تبنوا مستقبل الناس، فلا تسرقوا ما تبقى منه.
فقد يستطيع المسؤول أن يهرب من غضب الناس، وأن يختبئ خلف الحصانة، وأن يغيّر منصبه، وحزبه، وخطابه، وربما حتى بلده… لكن هناك مكانًا واحدًا لا يستطيع أن يغيّر عنوانه فيه:
محكمة الله.
وهناك لن يكون السؤال: كم كان منصبك؟
ولا: كم كان رصيدك؟
ولا: من كان يحميك؟
بل سيكون السؤال الأبسط والأثقل:
ماذا فعلت بالناس الذين ائتمنوك عليهم؟
وحينها، ربما نكتشف أن بعض من حكمونا لم يكونوا بحاجة إلى أن يكونوا صالحين جدًا… كان يكفي فقط أن تكون عندهم مروءة كفار قريش!






