إِنّي تَذَكَّرتُ وَالذِكرى مُؤَرِّقَةٌ
بقلم | عبدالله سعد الدقيل
السبت 18 يوليو
حين تباغتنا الكلمات الدافئة في لحظة صمت، نجد أنفسنا نردد تلقائياً مع الشاعر قوله:**«إِنّي تَذَكَّرتُ وَالذِكرى مُؤَرِّقَةٌ»**
لتتحول هذه العبارة البسيطة إلى مفتاح يفتح أبواباً مغلقة في الروح، ويشرع النوافذ على عوالم مضت ولم يبقَ منها سوى الصدى. هذه اللوعة الصادقة التي تسكن البيت لم تكن وليدة خيال عابر، بل صاغتها مشاعر حية جاشت بها قريحة الشاعر المصري **محمود غنيم** وهو يقف باكياً على أطلال المجد الغابر ويلتفت بأسى نحو ماضٍ تليد ومكانة أضعناها، فجاءت كلماته بمثابة تقطير نقي للألم البشري حين يحاصره الحنين في مساحات ضيقة من الزمان والمكان.
ومن هذه النقطة تحديداً ينطلق ما نسميه **”حديث الذكريات”**، ذلك الحوار الصامت والعميق الذي نخوضه مع أنفسنا دون سابق إنذار. فالذكرى لا تستأذن أحداً؛ بل تأتي كزائر خفيف يطرق باب الفكر ليعيد إلينا تفاصيل كنا نظنها منسية. في هذا الحديث الشجي، نكتشف أن الأماكن القديمة والطرقات التي مشيناها يوماً لم تكن مجرد جمادات، بل كانت شواهد حية على أوقات كنا نملك فيها الدنيا ولم نكن ندرك قيمة تلك التفاصيل البسيطة حتى أصبحت أثمن ما نملك في صندوق ذكرياتنا.
لكن هذا السفر الجميل عبر قطار الذاكرة سرعان ما يصطدم بحقيقة وجودية قاسية وباردة، وهي أن **ما ذهب صعب جداً أن يعود**. فالزمن نهر يتدفق بقوة في اتجاه واحد، ولا يمكن للمرء أن يسبح في مياه النهر نفسها مرتين. إن محاولة استعادة اللحظات الراحلة تشبه تماماً محاولة القبض على الريح أو إمساك الماء بكفوف مفتوحة؛ فالأيام التي عشناها والفرص التي عبرت لا تُشترى بالثمن، ولا يمكن تعويضها مهما بلغ بنا الشوق أو تملكتنا لوعة التمني.
وحتى لو أتيح لنا جدلاً أن نعود إلى نفس الأماكن أو نلتقي بذات الأشخاص، فإننا نصطدم بحقيقة أخرى أشد عمقاً؛ وهي أننا لن نكون نحن ونفس الأشخاص الذين كنا معهم سابقاً، فالأيام تترك أثرها وتغير نفوسنا، والخبرات المتراكمة تبدل نظرتنا للأشياء. ومع ذلك، لا ينبغي لهذا العجز عن استعادة الماضي أن يورثنا اليأس، بل يجب أن يكون دافعاً حقيقياً لتقدير اللحظة الحالية التي نعيشها الآن، لنصنع اليوم ذكريات جديدة دافئة وصالحة لأن تكون غداً حديثاً جميلاً نذكره بكثير من الرضا وقليل من الشجن.






