كش ملك.. بين أقنعة الوجوه ورهان الرضا..!!
بقلم / إبراهيم باشغيوان
الخميس 16 يوليو 2026
أحياناً، لا يكون العنوانُ، ولا ما كُتِبَ بين السطور، سوى خطوة أولى؛ ومجردُ8 بدايةٍ سهلةٍ لمشهدٍ تتأهب تفاصيلُه القادمة لتقلب الطاولة وتعيد كل الحسابات نوعاً ما.. ولعل هذا التحول هو ما يعيدني بالذاكرة إلى تلك النبرة الحادة التي أطلقها الفنان الراحل أحمد زكي في فيلمه الشهير: «أنا لا أكذب ولكني أتجمل».. مشهدٌ سينمائي لم يكن مجرد نصٍّ عابر، بل كان -وللأسف- وجهاً يتجسد اليوم في واقعنا كحقيقة عارية، نراها في وجوهٍ اعتادت تمثيل دور البطولة وهي تعاني من فقرٍ حاد في الشخصية، وتمارس سلبياتها بلا أدنى مبرر، مكتسيةً بوعودٍ واهية تسقط عند أول منعطف، لتكشف عن ملامح زائفة لا تملك من الاعتزاز سوى الاسم.
أولئك يتوهمون كثيراً أنهم بـ”مساحيق التجميل” السلوكية هذه يخادعون الآخرين تحت مسمى الذكاء والشطارة، حتى باتت أساليبهم تثير الشفقة أكثر من الغضب، ومع هؤلاء تحديداً، تصبح حتى حركة «كش ملك» خطوةً أكبر من حجمهم؛ إذ نكتفي أمامهم بالصمت والمراقبة، وكأننا نشاهد مسرحية هزلية انتهى عرضها قبل أن تبدأ.
رقعة الشطرنج لا تقتصر على خيبات البشر فقط؛ لأن الحياة نفسها تمارس علينا اللعبة ذاتها، وبأوجهٍ متعددة، لنطرح سؤالاً بكل براءة: لِمَ يتقلب الزمان بنا هكذا فجأة حتى ليبدو أنه بلا أمان؟
ومن بين ثنايا هذا التقلب، تباغتنا الحياة بضربات “كش ملك” غير متوقعة في تفاصيلنا اليومية:
نجمع المال بجهدٍ وصخب، ثم نقف فجأة عاجزين أمام شراء عافية مفقودة…!!
نلهث لامتلاك مكتبة ضخمة تلتهم الجدران، ونعجز عن اقتناء وعيٍ حقيقي أو ثقافة عميقة…!!
نشيد المستشفيات والصروح الطبية، وتظل أجسادنا عاجزة عن شراء الشفاء والعافية…!!
لتتجلى هنا الحقيقة الكبرى التي تختصر مشهد الوجود: إن الركض الطويل قد ينتهي أحياناً بالسقوط، ما لم يكن مدفوعاً بالرضا والقناعة بعد التوكل المتزن، فالله سبحانه يعطي الدنيا لمن يحب ولمن لا يحب..!! وهبها لسيدنا سليمان وذي القرنين، كما منحها لقارون والنمرود.
ليبرز من بين ثنايا هذا العطاء.. شيء اسمه «الرضا» كصاحبٍ حقيقي، وهبة ربانية غامضة لا تُمنح إلا لمن أحبهم الله، إنه السحر الخفي، والفانوس الذي نضيء به أروقة الحياة المظلمة والمتقلبة؛ وحين نتسلح به، تتحول كل العواصف والنتائج إلى بردٍ وسلامٍ.. وعندها فقط…، تسقط عند عتبات نفوسنا كل تهديدات الـ«كش ملك»..!! التي توجِّهها لنا الأيام أو يلوح بها البشر..
لأن “الملك” الحقيقي في هذه الحياة ليس من يملك رقعة الشطرنج ويتحكم بمصائر القطع، بل هو ذلك الذي ملك نفسه، ورضي بما قسمه الله له، فاستغنى بالله ثم بذاته عن الجميع، وأنهى اللعبة لصالحه دون أن يحرك قطعة واحدة.






