الوتر الحساس ٠٠ في أسرار البيوت
تاربة_اليوم/ كتابات وآراء
كتب / أ : صالح باغزال
13 يوليو2026م
ثمة قضايا لا تُحسم بتفسير واحد، ومن ذلك ما يعتري بعض الأبناء من تغير في السلوك وضعف في الاستجابة للنصح والتوجيه. ولعل الأمر يدور بين سببين رئيسيين: أولهما ما قد يكون مرتبطًا بالطبائع والصفات المتوارثة، وثانيهما ـ وهو الأعمق أثرًا والأبلغ دلالة ـ أن يكون ابتلاءً واختبارًا يقدره الله لحكمة يعلمها سبحانه، ليمتحن به صبر الوالدين وحكمتهما وإيمانهما.
وفي السنوات الأخيرة، تكررت الشكوى على ألسنة كثير من الآباء والأمهات: لماذا تغير الأبناء؟ ولماذا أصبح التوجيه أكثر صعوبة من ذي قبل؟ ولماذا لم تعد النصيحة تبلغ القلوب كما كانت؟
فتُلقى التهم تارة على الإنترنت، وتارة على وسائل التواصل الاجتماعي، وتارة على رفقاء السوء، وتارة على متغيرات العصر المتسارعة. ورغم أن لكل ذلك أثرًا لا يُنكر، فإن الحقيقة أوسع وأعمق من أن تُختزل في سبب واحد.
فمع تقدم الأبناء في العمر، ودخولهم مراحل المراهقة والشباب، تبدأ التحولات الفكرية والنفسية والعاطفية، وتتشكل القناعات، وتبرز الرغبة في الاستقلال وإثبات الذات. وهنا تبدأ المسافة بين الآباء والأبناء بالاتساع إن لم تُردم بجسور الحوار، وتُروَ بمشاعر الحب، وتُحط بسياج الاحتواء.
والمؤلم أن بعض الأسر لا تدرك خطورة المشكلة في بدايتها، فتتعامل معها بمنطق الصدام بدلًا من الاحتواء، وبالعناد بدلًا من الحكمة، وبالقسوة بدلًا من الرحمة، حتى تتحول الخلافات الصغيرة إلى فجوات كبيرة، والمواقف العابرة إلى جروح عميقة يصعب التئامها.
ثم تأتي مرحلة الزواج، فتزداد القضية حساسية وتعقيدًا؛ لأن الابن أو الابنة ينتقلان إلى مسؤوليات جديدة وحياة مختلفة. فإن كانت العلاقة الأسرية قد أُنهكت سابقًا بالخلافات والتوترات، أصبحت أكثر عرضة للتصدع بعد الزواج. وعندها قد تتسع دائرة الخلاف، وتضعف أواصر القربى، ويحل الجفاء محل المودة، وربما تصل الأمور إلى القطيعة وتفكك الروابط الأسرية التي بُنيت عبر سنوات طويلة من العطاء والمحبة.
والمشكلة الحقيقية ليست في أن الأبناء يكبرون أو يستقلون بحياتهم، فذلك من سنن الله في خلقه، وإنما في أن تتحول الاستقلالية إلى قطيعة، والاختلاف إلى خصومة، والنصيحة إلى معركة، فيخسر الجميع معركة كان يمكن أن تُحسم بكلمة طيبة، أو موقف حكيم، أو تنازل كريم.
ولهذا فإن أعظم ما تحتاجه الأسر اليوم ليس مزيدًا من السيطرة، بل مزيدًا من الحكمة. وليس مزيدًا من الأوامر، بل مزيدًا من الاحتواء. وليس الانتصار للنفس، بل الانتصار للأسرة وحماية روابطها من التصدع والانهيار.
تغافلوا عن بعض الأخطاء، وتجاوزوا عن بعض الزلات، وافتحوا أبواب الحوار قبل أن تغلقها الأيام. فليس كل ما يُعرف يُقال، وليس كل ما يُقال يستحق الجدال، وليس كل خلاف يستوجب القطيعة.
ولنتذكر جميعًا أن الهداية ليست بيد أبٍ ولا أم، ولا بيد مربٍ ولا معلم، وإنما هي بيد الله وحده. فقد كان نوح عليه السلام نبيًا كريمًا، ومع ذلك لم يهتدِ ابنه، وكان إبراهيم عليه السلام خليل الرحمن، ومع ذلك لم يؤمن أبوه. فالعبرة ليست بقوة القرابة، وإنما بتوفيق الله وهدايته.
فلا يحملنَّ والدٌ نفسه ما لا يطيق، ولا يجلدنَّ قلبه بسياط الندم إذا بذل ما استطاع من تربية وتوجيه ونصح ودعاء. فالمطلوب منا أن نزرع، أما الثمر فبيد الله، وأن نبذل الأسباب، أما النتائج فمردها إلى الله سبحانه وتعالى.
إن الأسرة لا يحفظها المال، ولا المكانة، ولا كثرة الممتلكات، وإنما تحفظها القلوب الرحيمة، والكلمات الطيبة، والعفو عند الزلات، والحكمة عند الأزمات، والدعاء الصادق في جوف الليل.
اللهم أصلح أبناءنا وبناتنا، وألّف بين قلوبنا، واجعل بيوتنا عامرة بالمودة والرحمة والسكينة. اللهم ارزقنا الحكمة في التربية، والرفق في المعاملة، والصبر عند الابتلاء، وأعذنا من الفرقة والقطيعة وسوء الفهم. اللهم اجعل أبناءنا قرة أعين لنا في الدنيا والآخرة، واهدهم لأحسن الأخلاق والأقوال والأعمال، وبارك في أسرنا وذرياتنا، وأدم علينا نعمة الألفة والمحبة، إنك ولي ذلك والقادر عليه.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.






