ورقة حضرموت… هل أعادت تشكيل المعادلة السياسية في الجنوب؟
بقلم/ عوض باشعيوث
الجمعة 10 يوليو 2026
لم تعد حضرموت مجرد محافظة كبيرة في خارطة اليمن، بل أصبحت اليوم ورقة سياسية واستراتيجية تتقاطع عندها حسابات القوى المحلية والإقليمية والدولية. وما يُعرف بـ”ورقة حضرموت” لم يعد حدثاً عابراً، بل يمثل تحولاً في إدارة الملف الجنوبي، ويطرح تساؤلات جدية حول مستقبل التمثيل السياسي في الجنوب، وحجم النفوذ الذي يتمتع به المجلس الانتقالي الجنوبي.
لقد بنى المجلس الانتقالي خلال السنوات الماضية حضوره السياسي على أساس أنه الممثل الرئيس للقضية الجنوبية، غير أن التطورات الأخيرة، وفي مقدمتها تصاعد الحضور السياسي لحضرموت، أظهرت أن المشهد أكثر تعقيداً، وأن الجنوب لا يمكن اختزاله في طرف واحد، مهما كانت قوته أو حضوره.
ومن الواضح أن حضرموت تحتل موقعاً متقدماً في الحسابات الاستراتيجية للمملكة العربية السعودية، ليس فقط لامتدادها الجغرافي المحاذي للحدود السعودية، وإنما لما تمتلكه من شريط ساحلي طويل، وثقل اقتصادي ونفطي، وقدرتها على التأثير في موازين الأمن والاستقرار شرق وجنوب اليمن.
وتشير العديد من المؤشرات إلى أن الرياض تعمل على إعادة ضبط موازين النفوذ في هذه المنطقة، بما ينسجم مع مصالحها الأمنية والاستراتيجية، عبر بناء ترتيبات أمنية وعسكرية وقوى محلية أكثر ارتباطاً برؤيتها، وهو ما يجعل حضرموت محوراً رئيسياً في أي ترتيبات قادمة.
وفي المقابل، فإن الحديث عن تقليص دور المجلس الانتقالي أو إعادة تشكيله أو حتى حله، قوبل برفض واسع داخل قواعده الشعبية وبين عدد من قياداته، الأمر الذي يعكس أن أي محاولة لفرض حلول من خارج التوافقات الداخلية ستواجه تحديات سياسية واجتماعية كبيرة، وقد تفتح الباب أمام مزيد من الانقسام بدلاً من تحقيق الاستقرار.
لكن ما يمكن قوله بثقة هو أن ورقة حضرموت فتحت الباب أمام إعادة النظر في شكل التمثيل السياسي للجنوب. فالمشهد لم يعد يحتمل احتكار التمثيل من قبل أي مكون، بل يتجه نحو واقع أكثر تعددية، تفرضه طبيعة الجنوب وتنوع مكوناته واختلاف مصالح مناطقه.
إن نجاح أي تسوية سياسية لن يكون رهناً بإعادة توزيع النفوذ العسكري فقط، بل بقدرتها على بناء شراكة سياسية حقيقية تحترم إرادة المجتمعات المحلية، وتعطي لكل محافظة حقها في إدارة شؤونها والمشاركة في صناعة القرار، بعيداً عن سياسات الإقصاء أو فرض الأمر الواقع.
تبقى حضرموت اليوم في قلب المعادلة، ليس لأنها الأغنى بالثروة فحسب، بل لأنها تمثل مفتاح التوازن في الجنوب. ومن ينجح في كسب ثقة حضرموت، واحترام خصوصيتها، سيكون الأقرب إلى التأثير في مستقبل الجنوب بأكمله.
ويبقى السؤال مفتوحاً: هل ستكون ورقة حضرموت مدخلاً لإعادة بناء شراكة جنوبية أكثر توازناً، أم أنها ستتحول إلى محطة جديدة في صراع النفوذ بين القوى المحلية والإقليمية؟ الإجابة ستحددها تطورات المرحلة المقبلة، وطبيعة التفاهمات التي ستتشكل على الأرض، أكثر مما ستحددها البيانات والمواقف السياسية.






