اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

حضرموت لا ينقصها الشيوخ… بل ينقصها أن تضع كل رجل في مكانه

حضرموت لا ينقصها الشيوخ… بل ينقصها أن تضع كل رجل في مكانه

بقلم | صالح برك الجابري
الجمعة 10 يوليو 2026

كلما تأسس مكون حضرمي جديد، أو مجلس، أو هيئة تدّعي أنها جاءت لإنقاذ حضرموت واخرها المجلس التنسيقي لقوى حضرموت الذي دعا اليه الخنبشي، نتوقع أن نرى اقتصاديين، ومهندسي تخطيط، وخبراء في الطاقة والاستثمار والإدارة والعلوم السياسية.

لكننا نفاجأ بالمشهد المعتاد…

شيخ…

ومقدم…

ووجيه اجتماعي…

او شخص فشل في منصبه السابق ليعاد تدوريه بطريقه اخرى ………

وكأننا نشكل لجنة لحل قضية قبلية، لا فريقًا يقود مشروعًا لتنمية محافظة والمطالبة بحقوقها.

لا أحد ينكر مكانة الشيوخ والمقادمة، فهم أهل إصلاح، وحل نزاعات، وهذا دور يحترمه الجميع. لكن السؤال الذي لا يريد أحد الإجابة عنه:

ما علاقة امور العدائل و الحَلَّافَة بإدارة الاقتصاد؟

وما علاقة الإصلاح القبلي بالتخطيط الإستراتيجي، والاستثمار، والطاقة، والحوكمة؟

هل أصبحت الوجاهة الاجتماعية شهادة في الإدارة؟

وهل اللقب القبلي يعادل سنوات من الدراسة والخبرة؟

لو كان الأمر كذلك، لأغلقت جامعات العالم أبوابها، واستبدلت كليات الهندسة والاقتصاد والإدارة بكلية واحدة اسمها: “علوم المشيخة والمقادمة”.

حتى السياسة أصبحت تُدار بالعقلية نفسها.

مع أن السياسة ليست مجلس صلح، ولا عدائل ، ولا حَلَّافَة . إنها علم يقوم على بناء التحالفات، وقراءة موازين القوى، وإدارة المصالح، والتفاوض، واقتناص الفرص لخدمة المحافظة.

السياسي الناجح ليس من يستطيع حشد ألف شخص في قاعة، بل من يستطيع أن يجلب مشروعًا، أو يكسب حليفًا، أو يمنع أزمة، أو ينتزع حقًا.

لكن عندنا يبدو أن الحشد أصبح مؤهلًا أكاديميًا.

فمن يجمع جمهورًا أكبر، يتحدث بثقة أكبر… حتى في أكثر الملفات تعقيدًا.

ولهذا تسمع بكل بساطة من يعد الناس بـ 500 ميجاوات كهرباء، وكأن الكهرباء تُباع بالأرقام!

ولو سألته: ما نوع المحطات؟ وما الوقود؟ ومن سيمول المشروع؟ وهل الشبكة الحالية تستوعبه؟ وكم يحتاج من محطات تحويل وخطوط نقل؟ وهل الظروف السياسية والاقتصادية تسمح أصلًا بتنفيذه؟

لانتهى الخطاب عند الرقم.

فالرقم سهل…

أما العلم فصعب.
ثم يأتيك آخر بكل ثقة ليقول:
“سنكوم الديزل!”
جميل… ولكن كيف سنكومه؟ ومن أين؟ وهل إنتاج النفط الخام في حضرموت يكفي أصلًا؟ وهل تستطيع مصفاة بترومسيلة تكرير هذه الكميات؟ ومن سيمول العملية؟ وأين المعدات والبنية التحتية؟ وهل تسمح الظروف الاقتصادية والسياسية بتنفيذ مشروع كهذا؟
كل هذه الأسئلة لا تهم…
المهم أن عبارة “سنكوم الديزل” كانت رنانة، والجمهور صفق.

المشكلة ليست في الشيوخ ولا في المقادمة، بل في تحويلهم إلى خبراء في كل شيء، وكأن المجتمع لا يملك آلاف المهندسين والاقتصاديين والقانونيين والمتخصصين الذين أفنوا أعمارهم في الدراسة والعمل.

إن احترام الشيخ يكون في مجاله، كما يُحترم المهندس في الهندسة، والطبيب في الطب، والاقتصادي في الاقتصاد، والسياسي المحنك في السياسة.

أما أن نخلط كل هذه الأدوار، ثم ننتظر تنمية، فذلك يشبه أن نطلب من جراح أن يبني جسرًا، ومن مهندس أن يجري عملية قلب مفتوح.

ثم نستغرب لماذا يتقدم العالم…

ولماذا نبقى نحن نعيد تشكيل المكونات، ونكرر الأسماء، وننتظر نتائج مختلفة.

الأمم لا تُبنى بالمجاملات، ولا بالألقاب، ولا بالحشود، ولا بالخطب الرنانة.

الأمم تُبنى عندما يصبح معيار الاختيار هو: ماذا يعرف هذا الرجل؟ لا من هو هذا الرجل؟

إغلاق