بين بساطة الأمس ومغالاة اليوم… هل خانت أعراسنا قيم حضرموت؟
بقلم / أحمد بن الشيخ أبوبكر
الخميس 9 يوليو 2026
ليس من الإنصاف أن نحاكم الماضي بعين الحاضر، لكن كتب الرحالة والمؤرخين تكشف جانبًا مهمًا من الحياة الاجتماعية في حضرموت، ومنها ما أورده المؤرخ ابن سلمان نقلًا عن تاريخ المستبصر للرحالة جمال الدين أبو الفتح ابن المجاور (المتوفى سنة 626هـ)، الذي زار الحجاز وحضرموت، حيث وصف أعراسًا تقوم على البساطة والتكافل والالتزام بالقيم الدينية، بعيدًا عن التفاخر والإسراف.
وعُرفت آنذاك عادات اجتماعية أصيلة، مثل الطرح والتخاويد، جسدت روح التعاون بين الأقارب والجيران لتيسير الزواج وبناء الأسرة، وكان الزواج مسؤولية اجتماعية تُيسَّر ولا تُثقَل بالكلفة، حتى إن بعض الأسر كانت تؤخر الزواج أو الدخول احترامًا للأشهر الفاضلة كشهر رمضان وموسم الحج، أو إلى ما بعد شهر المحرم.
وأمام هذه الصورة المشرقة يبرز سؤال مؤلم: كيف أصبحت بعض أعراسنا اليوم من أكثر المناسبات كلفة وإرهاقًا للأسر والشباب؟
لقد دخلت على المجتمع الحضرمي ممارسات لم يعرفها الآباء والأجداد؛ فارتفعت المهور، وتعددت الحفلات، واتسعت دائرة المجاملات، وأصبح الإنفاق عند بعض الناس معيارًا للمكانة الاجتماعية، حتى غدا الزواج حلمًا مؤجلًا لكثير من الشباب.
ولم يقف الأمر عند المغالاة في التكاليف، بل ظهرت سلوكيات دخيلة لا تمت إلى أخلاق المجتمع الحضرمي بصلة؛ من مظاهر اللهو والمجون في بعض السهرات، والتجاوزات التي تقع في بعض الاحتفالات النسائية أو الرجالية، واستخدام الألعاب النارية بصورة مؤذية، والتفحيط والاستعراض بالمركبات أثناء زفة العروس، وإقلاق السكينة العامة، وتعريض الأرواح والممتلكات للخطر.
وهي ممارسات تشوه فرحة الزواج، وتحمّل أرباب الزواج وأولياء الأمور مسؤولية شرعية وأخلاقية وقانونية في منعها وعدم التساهل معها.
والمؤسف أن كثيرًا من هذه المظاهر ليست من الدين، ولا من التراث الحضرمي، وإنما هي نتاج ثقافة استهلاكية وتقليد أعمى للآخرين.
وقد أثبت الواقع أن المبالغة في الأعراس لا تجلب السعادة، بل تستنزف الأموال، وتزيد أعباء الزوجين، وقد تكون سببًا في تأخر الزواج أو تراكم الديون.
إن البركة في الزواج لا تتحقق بكثرة المظاهر، وإنما بطاعة الله، وصدق النية، والاعتدال في النفقة.
أما التنافس في العادات الوافدة، فهو طريق إلى المشقة بدلًا من السكينة، وإضعاف للقيم التي عُرفت بها حضرموت عبر تاريخها.
ومن هنا جاءت مبادرات العلماء والوجهاء في حضرموت لتيسير الزواج، وضبط المهور، والحد من الإسراف، حمايةً للأسرة، وإحياءً لسنة التيسير التي دعا إليها الإسلام، كما برزت مشاريع الزواجات الجماعية، الأسرية والعامة، بوصفها مبادرات مجتمعية تستحق الدعم والتوسع.
إن القضية اليوم ليست اقتصادية فحسب، بل ثقافية وأخلاقية أيضًا؛ فكلما ارتفعت تكاليف الزواج، وانتشرت العادات الدخيلة، ازداد عزوف الشباب عن الزواج، وتعاظمت الآثار الاجتماعية المترتبة على ذلك.
وحضرموت، التي أنجبت العلماء والمصلحين، قادرة على أن تقدم نموذجًا معاصرًا يجمع بين أصالة التراث ومتطلبات العصر، ويعيد للزواج رسالته الحقيقية بوصفه بابًا للعفة والاستقرار، لا ميدانًا للتفاخر والتكلف.
ولعل أعظم وفاء لتراث حضرموت ليس في التغني بأمجاد الماضي، بل في إحياء قيمه الأصيلة، وإعادة الاعتبار للبساطة والتكافل، حتى يبقى الزواج نعمةً تُيسَّر، لا عبئًا يُعسَّر، وفرحةً تُبنى على المودة والرحمة، لا على المظاهر والعادات الدخيلة التي تسيء إلى المجتمع أكثر مما تزينه.






