بين الأبّـوة الحاضرة والغياب المقنّع: كيف يصنع الأب وجه المستقبل؟
بقلم /أ . فاطمة عبد مدفع
الثلاثاء 7 يوليو 2026
الأسرة ليست مجرد سقف يجمع أفراد، بل هي سفينة تُـبحر في بحر الحياة، ولا يمكن لقبطان واحد أن يقودها بأمان مهما بلغت قوّته.عندما يغيب دور الأب سواء كان غيابا جسديا أو معنويا يختل، توازن هذه السفينة وتتحول (المسؤولية المشتركة) من مجرد خيار تربوي إلى ضرورة حتمية للبقاء. فالمسؤولية المشتركة في التربية ليست توزيعا للمهام، بل هو *تناغم عميق وتكامل بين عاطفة الأم وحزم الأب* غياب أحدهما يترك فراغا لا ترممه المحاولات الفردية. إن التربية الحقيقية هي عقدٌ ثنائي يُـكتب بجهد الطرفين لإنشاء جيل سوي يرى في والديه نموذجا حيا للاحتواء والمشاركة
والأب هو العمود الفقري إن استقام استقامت الأسرة، وإن مال تداعى البنيان كله.
والأبّوة ليست مجرد *وثيقة رسمية*، ولا هي بطاقة ائتمانية لتغطية المصاريف، بل هي *“هيبة، وأمان، وبوصلة اتجاه”.* أغوص هنا في عمق الدور الحقيقي للأب في الأسرة والمجتمع، وأكشف الستار قليلا عن واقع *“الغياب المقنّع”*، وكيف يمكن للأب أن يكون قدوة تُحتذى.
إن دور الأب في الأسرة والمجتمع بـ مثابة *(هندسة الأجيال)*
ففي الأسرة ليس مجرد “ممول”، بل هو المشرّع ورئيس الوزراء التنفيذي في هذا الكيان الصغير.وهو *(صمام الأمان)* حيث يمنح الأب الأبناء شعوراً بالحصانة. فيرى الطفل في قوة أبيه درعاً يحميه من العالم الخارجي.هذا التوازن النفسي يمنع الانحراف ويخلق شخصيات سوية.
وفي المجتمع يكمن دور الأب كـ (خط الدفاع الأول): البيوت التي يحضر فيها الآباء بوعي، تُنتج مواطنين صالحين، مبدعين، وأفراداً يحترمون النظام والقانون. الأب هو من ينقل الأبناء من محيط العاطفة الأمومية النقي، إلى واقع المجتمع العملي، فيعلمهم كيف يواجهون الصعاب…
وقد عظّم الإسلام هذا الدور، واعتبر الأب راعياً ومسؤولاً، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:
«والرَّجُلُ رَاعٍ في أهْلِهِ وهو مَسْئُولٌ عن رَعِيَّتِهِ» (متفق عليه).
سؤال يطرح نفسه:*كيف يكون الأب قدوة؟*
الطفل لا يتعلم بما يسمعه، بل بما يراه. إذا أردت أن يبرّك ابنك، فليراك باراً بوالديك، وإذا أردتَ أن تكون ابنتكَ صادقة، فلا تكذب أمامها. ولكي يكون الأب قدوة حيّة، يجب أن يتميز بصفات أساسية:
ــ القدرة على إدارة الأزمات داخل البيت بهدوء دون اللجوء للصراخ أو العنف.وهذا يتطلب الحكمة والاتزان.
ــ ألّا يفرّق بين أبنائه في المعاملة أو العطية، مما يزرع بينهم المحبة بدل الغيرة.. هنا العدل والمساواة.
ــ توليفة ذكية بين عاطفة الأبّوة التي تحتضن، وحزم القائد الذي يضع الحدود والخطوط الحمراء.وهنا يكمن الحنان الحازم.
ــ أن يرى الأبناء في الأب سندهم يترجم دينه إلى أمانة، وصدق، واحترام للآخرين، لاسيما احترامه لأمهم أمامهم..
وكما قال الشاعر معبراً عن أثر الأب في نشأة الأبناء:
وينشأُ ناشئُ الفتيانِ منا … على ما كان عوّدَهُ أبُوهُ.
دعونا ننظر إلى هذا الأب الذي جعل من عودته للمنزل *“مهرجاناً يومياً”*. يخصص نصف ساعة فقط بعد المغرب ليجلس مع أبنائه، يستمع لقصصهم في المدرسة، يشاركهم حلول مشاكلهم، ويصطحب ابنه للقرآن والمسجد. النتيجة؟ الأبناء يتنافسون على إرضائه، والابنة ترى فيه فارس أحلامها المستقبلي لأنها نشأت في دلال أمانه.
.. ولكم في رسول الله أسوة حسنة (من السيرة النبوية)
*كان النبي صلى الله عليه وسلم* إذا دخلت عليه ابنته فاطمة رضي الله عنها، قام إليها فقبلها وأجلسها في مجلسه. هذا الدرس النبوي في احتواء الأبناء وبث الثقة في نفوسهم هو أرقى أنواع القدوة.
ولكن هناك نموذج يتمثل في *الظل الغائب*: وهو الأب الذي استقال من التربية…..
ونجده على الجانب الآخر من النهر، نموذجاً مؤلماً يتكرر في مجتمعاتنا:*“الأب الشبح”*. هو موجود بجسده، لكنه غائب بكيانه.سيناريو يومه مكرر ومحفوظ: يستيقظ صباحاً للعمل (وهذا واجب يشكر عليه)، يعود ظهراً ليتناول طعامه ثم يغط في نوم عميق. في المساء، يستيقظ ليقضي ساعتين في تصفح هاتفه، ثم يخرج للسهر مع الأصدقاء والاستمتاع بوقته، ليعود متأخراً وينام.
هذا الأب يظن أن مسؤوليته تنتهي بمجرد توفير المال، وترك الجمل بما حمل لزوجته: هي من تتابع المدارس، هي من تدير الأزمات، هي من تربي، وهي من تعاقب.والنتيجة إنهاك نفسي وجسدي على الزوجة، وتحولها إلى “أب وأم” في آن واحد، مما يفقدها عاطفتها كأم ويملأها بالمرارة.
أما الأثر الذي يتركه هذا الأب على الأبناء يتمثل في:أن يتربى الأبناء على اهتزاز صورة الأب. يفتقد الولد “الأب” الذي يتعلم منه الرجولة، وتفتقد البنت “السند” الذي يحميها، مما يجعلهم عرضة للبحث عن هذا الأمان *خارج المنزل* بطرق قد تكون مدمرة.
لقد حذر الإسلام من هذا الإهمال الشديد، حيث يقول النبي صلى الله عليه وسلم:
«كَفَى بالمرْءِ إِثْماً أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ» (وفي رواية: من يعول).
وعن هذا الإهمال يقول الشاعر الشاكي:
ليسَ اليتيمُ مَنِ انتهى أبواهُ مِن… هَمِّ الحياةِ وخلّفاهُ ذليلا
إنَّ اليتيمَ هو الذي تلقى لهُ … أُمّاً تخلّتْ أو أباً مشغولا
وهناك أب قد يكون غائب بالمسافة لكن كلماته ونصائحه تملأ، كل زاوية في البيت.. وبين الحضور الحقيقي والغياب المقنع يتشكل مستقبل الأبناء. فالمستقبل لا يصنعه من يدفع الفواتير فقط بل من يزرع القيم، ويصغي ويكون سندًا وقت الشدة
وأخيرا: أيها الأب الكريم، “لمسة حنانك، وجلستك الحازمة، وضحكتك وسط أبنائك” لا يمكن لأحد في الكون أن يعوضها.
بيتك هو مشروعك الاستثماري الأكبر في الحياة، وأبناؤك هم امتدادك الحقيقي وبابك إلى الجنة بعد وفاتك، فالله الله في أمانتك، ولا تكن مجرد زائر في حياة من يحملون اسمك.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً﴾ [التحريم: 6]






